
تعرفة النقل إلى 400 ألف ليرة: بين دعم السائقين وخطر الفوضى في لبنان
تعرفة النقل إلى 400 ألف ليرة: بين دعم السائقين وخطر الفوضى في لبنان
تتفاقم أزمة النقل في لبنان على وقع التطورات الاقتصادية والأمنية، حيث تتداخل تداعيات الحرب مع القرارات الحكومية لترفع كلفة التنقل إلى مستويات غير مسبوقة، ما يضع المواطنين والسائقين أمام معادلة صعبة. فبعد زيادة الرسوم على المحروقات، وما تبعها من ارتفاع عالمي في أسعار النفط نتيجة التوترات الإقليمية، لم تعد التعرفة الحالية قادرة على تغطية تكاليف التشغيل، ما دفع نحو البحث عن حلول عاجلة.
وفي هذا السياق، كانت قد برزت محاولة لمعالجة الأزمة عبر اتفاق مبدئي يقضي بمنح السائقين العموميين مساعدة شهرية بقيمة 12 مليون ليرة، بعد مشاورات بين ممثلي القطاع ورئيس الحكومة نواف سلام وعدد من الوزراء المعنيين. إلا أن توسع الحرب أدخل عوامل جديدة قد تعرقل تنفيذ هذا التوجه أو تؤجله، في ظل أولويات حكومية باتت مرتبطة بإدارة تداعيات التصعيد.
بالتوازي، يُتوقع أن تشهد تعرفة النقل ارتفاعاً ملحوظاً قد يصل إلى نحو 400 ألف ليرة لسيارات الأجرة، مع زيادات متفاوتة في وسائل النقل الأخرى، بما فيها الباصات. غير أن هذه الزيادات، رغم ضرورتها، قد لا تكون كافية في ظل استمرار تقلب أسعار النفط، ما يطرح احتمال تعديل التعرفة بشكل دوري، وهو أمر قد يربك المواطنين ويزيد من الفوضى في السوق.
مصادر في قطاع النقل تشير إلى أن أي تسعيرة جديدة ستبقى مرتبطة بقرارات الحكومة وبالتغيرات العالمية في أسعار المحروقات، معتبرة أن الدعم المالي للسائقين يشكل عاملاً أساسياً للحد من ارتفاع التعرفة وحماية القدرة الشرائية للمواطنين. كما تؤكد أن الاجتماعات مع المسؤولين مستمرة، مع توجه لإعادة تقييم الوضع خلال الفترة المقبلة واتخاذ قرارات إضافية إذا لزم الأمر.
في المقابل، يبرز تحدٍ أساسي يتمثل في ضعف القدرة على ضبط الالتزام بالتعرفة الرسمية، خصوصاً في المناطق البعيدة عن الرقابة المباشرة، ما قد يفتح الباب أمام تجاوزات واسعة. وتقر الجهات المعنية بأن التعرفة الحالية أو المرتقبة تبقى إجراءً مؤقتاً مرتبطاً بالظروف الاستثنائية، مع إمكانية تراجعها في حال انخفاض أسعار النفط، فيما تبقى الزيادات الناتجة عن الرسوم المحلية محدودة التأثير نسبياً.
من جهتهم، يعوّل السائقون على التزام الحكومة بالاتفاقات السابقة، إلا أنهم يدركون أن الأولويات تبدلت بفعل الحرب، التي فرضت ضغوطاً إضافية على الدولة. ورغم تأكيدهم أحقية مطالبهم، لا يتجهون حالياً نحو التصعيد، مفضلين انتظار ما ستسفر عنه المشاورات المرتقبة، حتى لو تأخر إقرار الدعم المالي.
ومع استمرار الأزمة، تزداد المخاوف من انعكاساتها على معيشة السائقين الذين يعتمدون بشكل كامل على هذا القطاع لتأمين دخلهم، خصوصاً في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب الاستقرار. ويؤكد عدد منهم أن أي تأخير في الحلول سيضاعف من معاناتهم، لا سيما أن بعضهم تضرر بشكل مباشر من الحرب، سواء عبر النزوح أو خسارة وسائل العمل.
في موازاة ذلك، تبرز مشكلة إضافية تتعلق بانتشار عدد كبير من العاملين في النقل من دون تراخيص رسمية، ما يعني أنهم خارج أي دعم محتمل، في حين أنهم سيواكبون ارتفاع التعرفة وربما يتجاوزونها، الأمر الذي ينذر بغياب الضبط الكامل للسوق وترك الأسعار عرضة للفوضى.
في المحصلة، تبدو أزمة النقل في لبنان مرشحة لمزيد من التعقيد، بين محاولات دعم السائقين والحفاظ على استمرارية القطاع، وبين عجز المواطنين عن تحمل أعباء إضافية، في ظل ظروف استثنائية لم تتضح بعد مآلاتها.



