مقالات

هرمز يختنق والعالم يستهلك مخزونه

هرمز يختنق والعالم يستهلك مخزونه

شفيق طاهر-المدن

لم تعد أزمة الطاقة العالمية مجرد موجة ارتفاع في الأسعار، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة الدول على الصمود أمام اختناق أحد أهم شرايين النفط في العالم. فمع استمرار تعطل الملاحة في مضيق هرمز، لم تعد الأسواق وحدها في الواجهة، بل دخلت حكومات العالم مباشرة إلى قلب المعركة، عبر السحب من الاحتياطات، وتقنين الاستهلاك، والبحث عن بدائل عاجلة لا تكفي لسد الفجوة بالكامل.

 

 

 

هرمز عنق الزجاجة

 

تكمن خطورة ما يجري في أن مضيق هرمز ليس ممراً ثانوياً، بل ممر حيوي مر عبره في 2024 نحو 20 مليون برميل يومياً، أي ما يقارب خمس الاستهلاك العالمي من السوائل النفطية. لذلك فإن أي تعطل طويل الأمد فيه، لا يبقى أزمة إقليمية تخص الخليج وحده، بل يتحول فوراً إلى أزمة دولية تضرب سلاسل الإمداد وأسعار النقل والطاقة والتضخم في أنحاء العالم.

 

المشكلة الأكبر أن الفجوة الناجمة عن تعطل هرمز لا يمكن تعويضها سريعاً. فالتقديرات تشير إلى فقدان السوق لعرض ما يتراوح بين 8 و10 ملايين برميل يومياً حتى بعد احتساب المسارات البديلة. فيما جاء رد “أوبك+” محدوداً بزيادة قدرها 206 آلاف برميل يومياً فقط، وهي زيادة رمزية لا تقترب من سد فجوة بهذا الحجم. ولهذا لم يعد الحديث عن وفرة الاحتياطات مطمئناً كما يبدو، لأن المخزون لا يعوض التدفق اليومي الدائم، بل يشتري وقتاً إضافياً فقط.

 

لهذا السبب لجأت وكالة الطاقة الدولية إلى إتاحة 400 مليون برميل من الاحتياطات الطارئة. لكن هذه الخطوة، رغم أهميتها، لا تعني انتهاء الأزمة، بل تؤكد أن العالم دخل فعلاً مرحلة التقشف، وأن القوى الكبرى باتت تستخدم مخزونها الاستراتيجي لتأجيل الصدمة لا لإلغائها.

 

 

 

الدول الهشة تدفع الثمن

 

في الأطراف الأضعف من النظام العالمي ظهرت آثار الأزمة بسرعة. في سريلانكا، فرض تقنين للوقود، وأُغلقت المدارس والجامعات، وتقلص النقل العام، في مشهد يعكس هشاشة الاقتصادات المعتمدة على الاستيراد. وفي باكستان، ارتفعت أسعار الوقود بنحو 20 في المئة وظهرت الطوابير أمام المحطات، لتتحول الأزمة الجيوسياسية إلى عبء يومي مباشر على المواطنين.

 

 

 

اختبار قدرة الدول على الصمود

 

لكن الصورة ليست واحدة في كل الدول. فالهند، على سبيل المثال، لا تقف على حافة انهيار وشيك كما توحي بعض الأنباء المتداولة، إذ أعلنت أنها أمنت نحو 60 يوماً من إمدادات النفط ومشتقاته، مع قدرة تخزينية تصل إلى 74 يوماً، كما وسّعت قاعدة مورديها حول العالم. وهذا يعني أن الخطر قائم، لكنه لا يساوي الانهيار الفوري.

 

وفي شرق آسيا، تتحرك اليابان وكوريا الجنوبية بحذر واضح. اليابان بدأت استخدام مخزوناتها وطلبت الاستعداد لإفراجات إضافية إذا طال أمد الأزمة، فيما اتخذت كوريا الجنوبية إجراءات لاحتواء الأسعار وتعزيز الإمدادات. أما أوروبا، فلم تصل بعد إلى مشهد الطوابير الواسعة، لكنها دخلت دائرة الخطر، مع تحذيرات من نقص في الطاقة إذا استمر تعطّل هرمز، وارتفاعات واضحة في أسعار الغاز والمنتجات المكررة.

 

الولايات المتحدة لجأت بدورها إلى السحب من الاحتياطي الاستراتيجي، في محاولة لتهدئة السوق وكبح الأسعار، بينما اختارت الصين تشديد حمايتها للسوق الداخلية عبر وقف صادرات الوقود المكرر وتعزيز أمنها الطاقوي. وهكذا يتضح أن الأزمة ليست متساوية بين الجميع: الدول الغنية تشتري الوقت، والدول الصناعية تعيد ترتيب سلاسلها، أما الدول الأضعف فتدفع الثمن أولاً.

 

إذن، لا يعيش العالم انهياراً فورياً في إمدادات النفط، لكنه دخل مرحلة استنزاف منظم، استنزاف للمخزونات، وللهوامش المالية، وللقدرة السياسية على امتصاص الغضب الاجتماعي. فالاحتياطات قد تؤخر الانفجار، لكنها لا تعيد فتح الممرات البحرية، وكل يوم إضافي من تعطل هرمز لا يستهلك النفط فقط، بل يستهلك أيضا قدرة الدول على الاحتمال.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce