مقالات

بري يحذّر من مخطط لتهجير الجنوبيين ويشدد على تحصين الوحدة الداخلية لمنع الفتنة

بري يحذّر من مخطط لتهجير الجنوبيين ويشدد على تحصين الوحدة الداخلية لمنع الفتنة

يقف لبنان أمام مأزق متصاعد في ظل تعثر الجهود الرامية إلى التوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار، وهو ما أدى إلى حالة إحباط لدى سفراء دول أوروبية في بيروت، الذين باتت تحركاتهم الدبلوماسية تدور في حلقة مفرغة. فملف الحرب، وفق مصادر دبلوماسية، أصبح عملياً بيد الولايات المتحدة التي تتحرك بالنيابة عن إسرائيل، وبيد إيران التي تمارس نفوذها عبر «حزب الله»، فيما يقتصر دور الأطراف الأوروبية على متابعة تطورات المواجهة وتداعياتها على الداخل اللبناني.

وتعرب أوساط دبلوماسية أوروبية عن قلق متزايد من ارتفاع وتيرة النزوح من بلدات الجنوب، في ظل استمرار الضربات الإسرائيلية وإصرارها على إخلاء مناطق واسعة من سكانها. ولم يعد النزوح محصوراً في القرى الواقعة جنوب نهر الليطاني، بل تمدد ليشمل مناطق تقع شماله وصولاً إلى مشارف مدينة صيدا، ما يفاقم الضغوط الإنسانية والاجتماعية داخل البلاد.

في المقابل، يركز رئيس مجلس النواب نبيه بري على أولوية وقف إطلاق النار وتهيئة الظروف لعودة النازحين إلى بلداتهم، بالتوازي مع دعوات متكررة لتعزيز التماسك الداخلي. ويشدد، بحسب ما ينقل عنه مقربون، على ضرورة تحصين الوحدة الوطنية لمنع أي توترات مذهبية أو طائفية قد تنشأ بين النازحين والمجتمعات المضيفة، معتبراً أن وعي اللبنانيين وتضامنهم يشكلان العامل الأساسي لإفشال أي مخطط يستهدف ضرب الاستقرار الداخلي.

ويرى بري أن الغارات الإسرائيلية التي تستهدف بلدات جنوبية لا ترتبط مباشرة بملاحقة مقاتلي «حزب الله» تهدف أساساً إلى دفع السكان نحو النزوح، بما ينعكس سلباً على النسيج الاجتماعي في لبنان ويهدد صيغة العيش المشترك التي تميّز المجتمع اللبناني.

وفي هذا السياق، يشير قيادي في حركة «أمل» إلى أن الضربات الإسرائيلية المتكررة على مناطق ذات غالبية شيعية في الجنوب دفعت سكانها إلى النزوح نحو مناطق أخرى طلباً للأمان، كثير منها ذو غالبية غير شيعية، ما يثير مخاوف من محاولات لإثارة حساسيات بين السكان المحليين والنازحين. ويضيف أن استهداف مناطق مثل خلدة وعرمون والنبعة وبرج حمود لم يحقق أهدافاً عسكرية واضحة، بل بدا وكأنه محاولة لإحداث توتر اجتماعي بين المقيمين والوافدين.

كما يلفت المصدر إلى أن استهداف أحياء في بيروت ذات غالبية سنية قد يحمل رسالة تهدف إلى تأليب سكانها على النازحين، رغم أن الضربات لم تستهدف قيادات في «حزب الله»، بل طالت مؤسسات تابعة له سبق أن تعرضت للتدمير في مراحل سابقة. ويرى أن وعي سكان العاصمة يبقى عاملاً أساسياً في إفشال أي محاولة لإثارة الانقسام المذهبي.

ويتوقف المصدر أيضاً عند التطورات في مدينة صور والبلدات المحيطة بها، حيث أدت عمليات الإخلاء إلى زيادة كبيرة في أعداد النازحين، بما في ذلك في محيط مخيمات اللاجئين الفلسطينيين. ويؤكد أن الاكتظاظ السكاني في بعض المناطق قد يشكل بيئة قابلة للتوتر، ما يستدعي تعاون النازحين مع المجتمع المضيف والالتزام بالتعليمات الأمنية، إضافة إلى دعم جهود الجيش والأجهزة المختصة للحفاظ على الاستقرار.

ويتابع أن بري يواكب يومياً ملف استقبال النازحين، ويشدد على ضرورة التزامهم القوانين المحلية واحترام المجتمعات المضيفة، بالتوازي مع الدعوة إلى خطاب سياسي معتدل يبتعد عن التحريض الطائفي، بهدف منع انزلاق البلاد إلى توترات قد تتحول إلى أزمات يصعب احتواؤها لاحقاً.

سياسياً، تشير مصادر مطلعة على أجواء «الثنائي الشيعي» إلى أن الرهان على وقوع خلاف بين حركة «أمل» و«حزب الله» لا يستند إلى معطيات واقعية، رغم وجود تمايز في مقاربة بعض الملفات. فبري، بحسب هذه المصادر، لا يؤيد الربط الكامل بين المسارين اللبناني والإيراني، وقد عبّر أكثر من مرة عن ملاحظات تتعلق بأداء الحزب في عدد من القضايا، بدءاً من انخراطه في دعم غزة وصولاً إلى مواقف سياسية وتصريحات صدرت عن بعض قياداته.

ومع ذلك، تؤكد المصادر أن هذا التمايز لا يعني تحول العلاقة إلى خلاف سياسي، بل يعكس اختلافاً في الأساليب والتقديرات، في وقت تبقى فيه الحاجة قائمة إلى احتواء أي تباينات داخلية، خصوصاً في ظل الحرب الدائرة مع إسرائيل وما تفرضه من ضغوط سياسية وأمنية.

وترى هذه الأوساط أن بري يتحمل في المرحلة الحالية أعباء سياسية كبيرة، وهو ما يفسر تمسكه بضرورة وقف إطلاق النار وتأمين عودة النازحين، إلى جانب دعمه مبدأ حصر السلاح بيد الدولة. كما يشدد على أن أي مفاوضات مباشرة مع إسرائيل يجب أن تتم برعاية دولية وبدعوة رسمية من رئيس الجمهورية جوزيف عون، على أن تبدأ بعد التوصل إلى هدنة توقف العمليات العسكرية، إذ لا يمكن إطلاق مسار تفاوضي في ظل استمرار المواجهات.

وتشير المصادر إلى أن بري أبلغ هذا الموقف بوضوح إلى السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى، الذي حاول إقناعه بتسمية شخصية شيعية للمشاركة في أي وفد تفاوضي محتمل، إلا أن رئيس المجلس تمسك بموقفه الداعي إلى وقف النار أولاً. وفي الوقت نفسه، يدعو إلى تفعيل اجتماعات لجنة «الميكانيزم» المعنية بمتابعة تنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية، باعتبارها خطوة أساسية للانتقال إلى مرحلة التهدئة السياسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce