
فرنسا تتحرك دبلوماسياً: زيارة مرتقبة لوزير خارجيتها إلى بيروت لدفع مفاوضات لبنان وإسرائيل
فرنسا تتحرك دبلوماسياً: زيارة مرتقبة لوزير خارجيتها إلى بيروت لدفع مفاوضات لبنان وإسرائيل
تستعد فرنسا لتكثيف تحركها الدبلوماسي في الملف اللبناني، مع ترقب زيارة وزير خارجيتها جان نويل بارو إلى بيروت خلال الأيام المقبلة، في جولة قد تشمل أيضاً إسرائيل، بهدف دفع الجهود الدولية الرامية إلى إطلاق مسار تفاوضي بين الجانبين وتهيئة الظروف لوقف القتال المستمر.
وخلال مؤتمر صحافي عقده في برلين إلى جانب نظيره الألماني يوهان فاديفول، أوضح بارو أن باريس تعمل على تسهيل إطلاق حوار رفيع المستوى بين الحكومة اللبنانية ونظيرتها الإسرائيلية، في خطوة وصفها بأنها قد تكون تاريخية إذا نجحت في التمهيد لوقف إطلاق النار وفتح الباب أمام ترتيبات أمنية وسياسية طويلة الأمد بين البلدين.
وأشار الوزير الفرنسي إلى أن هذا المسار يهدف أيضاً إلى إيجاد إطار منظم لمعالجة ملف سلاح «حزب الله»، بالتوازي مع دعم القوات المسلحة اللبنانية في جهودها لتعزيز سيادة الدولة وتنظيم حيازة السلاح، إضافة إلى ضمان حماية مختلف مكونات المجتمع اللبناني. كما شدد على استمرار الدعم الفرنسي للشعب اللبناني الذي يتحمل، وفق تعبيره، العبء الأكبر للحرب الدائرة رغم أنه لم يكن طرفاً في قرار اندلاعها.
وتأتي هذه التحركات في وقت يتواصل فيه الجدل حول ما بات يُعرف بالخطة الفرنسية لإنهاء المواجهة بين إسرائيل و«حزب الله»، والتي بدأت ملامحها تتسرب عبر تقارير إعلامية دولية. فقد نشرت وسائل إعلام غربية تفاصيل أولية عن هذه المبادرة، وسط تباين في بعض البنود المتداولة بشأنها.
ووفق معلومات دبلوماسية، فإن الوثيقة التي اقترحتها باريس تتضمن تصوراً لمرحلة انتقالية تمتد ثلاثة أشهر، يجري خلالها العمل على وقف العمليات العسكرية تدريجياً تمهيداً للتوصل إلى اتفاق شامل ودائم يمنع أي اعتداءات متبادلة بين لبنان وإسرائيل، مع التركيز على تثبيت الاستقرار على طول «الخط الأزرق».
ولا تتضمن المبادرة، بحسب ما تسرب من مضمونها، أي بند يتعلق باعتراف لبنان بإسرائيل، بل تركز على إعلان متبادل بإنهاء حالة الحرب والالتزام بعدم استخدام القوة بين الطرفين.
وتشير مصادر فرنسية إلى أن زيارة بارو المرتقبة إلى بيروت وتل أبيب، في حال تأكدت، ستتمحور بشكل أساسي حول شرح تفاصيل هذه المبادرة ومحاولة حشد الدعم لها، خصوصاً بعدما أبدى الجانب اللبناني قبولاً مبدئياً بمناقشتها، في حين لم تصدر إسرائيل حتى الآن موقفاً رسمياً واضحاً بشأنها.
وترى أوساط دبلوماسية أن تأخر الرد الإسرائيلي يعكس رغبة في كسب الوقت ومحاولة فرض معادلات ميدانية جديدة في جنوب لبنان قبل الدخول في أي مفاوضات رسمية.
كما تشير مصادر مطلعة إلى أن الولايات المتحدة أبدت استعدادها لقبول مشاركة فرنسا في رعاية المفاوضات إلى جانبها، فيما لا يزال الموقف الإسرائيلي من الدور الفرنسي غير محسوم حتى الآن.
وبحسب الرؤية الفرنسية، فإن المبادرة المطروحة تستند إلى مبدأ التوازن بين الأطراف، إذ ترى باريس أن أي وساطة ناجحة تتطلب الحفاظ على علاقات مع جميع الأطراف المعنية، وعدم الاكتفاء بدعم طرف واحد على حساب آخر.
في موازاة ذلك، شدد المبعوث الخاص للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى لبنان، جان إيف لو دريان، على أن إنهاء الحرب الحالية لا يمكن أن يتحقق إلا عبر المسار التفاوضي. وأشار إلى أن الرئيس الفرنسي قد يكون قادراً على لعب دور محوري في هذا المسار نظراً إلى علاقاته واتصالاته مع مختلف الأطراف المعنية بالأزمة.
وأضاف أن إطلاق مفاوضات مباشرة يمثل مطلباً ملحاً بالنسبة للقيادة اللبنانية، كما يعكس رغبة لدى شرائح واسعة من اللبنانيين في إنهاء المواجهة العسكرية المتواصلة.
وفي سياق متصل، انتقد لو دريان الردود العسكرية الإسرائيلية في لبنان، معتبراً أنها تتجاوز حدود التناسب مع الهجمات التي ينفذها «حزب الله»، وأنها قد تأتي بنتائج عكسية عبر توحيد أطراف لبنانية مختلفة في مواجهة إسرائيل، في حين أن جوهر المشكلة، بحسب رأيه، يبقى مرتبطاً بدور الحزب ومسؤوليته في استئناف المواجهات.
كما حذر من التهديدات الإسرائيلية بتنفيذ عمليات اجتياح داخل الأراضي اللبنانية، مذكراً بأن إسرائيل سبق أن احتلت أجزاء من لبنان لسنوات طويلة دون أن تتمكن من إنهاء القدرات العسكرية للحزب.
وأشار إلى أن مطالبة الحكومة اللبنانية بنزع سلاح «حزب الله» خلال فترة قصيرة وفي ظل القصف العسكري أمر غير واقعي، مؤكداً أن مثل هذه الملفات المعقدة لا يمكن حلها إلا ضمن تسوية سياسية شاملة.
كذلك انتقد المسؤول الفرنسي السابق عمليات النزوح الواسعة التي تسببت بها العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، والتي أدت إلى تهجير أعداد كبيرة من السكان، معتبراً أن هذه الإجراءات تثير تساؤلات جدية بشأن التزام القوانين الدولية الإنسانية.
ويُظهر هذا الموقف درجة من الصراحة أكبر مقارنة بالمواقف الرسمية لوزير الخارجية الفرنسي، الذي تجنب في أكثر من مناسبة إصدار توصيف مباشر لمدى توافق العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان مع قواعد القانون الدولي.



