مقالات

هواجس السوريين تعيق التطبيع: قراءة في تعاطي دمشق مع الضغوط الأميركية والإسرائيلية

هواجس السوريين تعيق التطبيع: قراءة في تعاطي دمشق مع الضغوط الأميركية والإسرائيلية

لم يكن متوقعاً أن تتجه سوريا نحو التطبيع مع إسرائيل استجابة لطلب الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، أو لمجاراة مسار بعض دول الإقليم، رغم التحولات السياسية والأمنية التي شهدها الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة. فخيار التطبيع لم يبرز كاحتمال جدي في حسابات دمشق، حتى مع البراغماتية التي طبعت أداءها السياسي، وسعيها الدائم إلى تجنيب البلاد الانزلاق في صراعات خارجية والتركيز على وحدة الأراضي السورية والتخفيف من حدة الضائقة الاقتصادية.

 

ورغم تكرار الحديث الأميركي عن التطبيع، فإن الطرح بقي في إطار “التمنيات” أكثر منه شرطاً سياسياً واضحاً لبناء علاقة جديدة مع سوريا. وقد ظهر ذلك جلياً خلال زيارة الرئيس أحمد الشرع الأخيرة إلى واشنطن، حيث تجنب المسؤولون الأميركيون ربط التطبيع بأي خطوة تتعلق بإلغاء قانون قيصر، أو بدمج سوريا في التحالف الدولي ضد داعش، أو بإعادة دمجها في النظام الدولي.

 

هذا النهج الأميركي اتسم بقدر من الواقعية، ومنح دمشق مساحة أوسع لإدارة أي مفاوضات مستقبلية حول علاقتها بإسرائيل بعيداً عن الضغوط، ومن دون الاضطرار إلى خيارات مكلفة قد تؤدي إلى نتائج أكثر خطورة من الأزمات التي تحاول تفاديها.

 

وتجاوز العلاقة السورية ـ الإسرائيلية مسألة الجولان المحتل أو الأراضي التي انتزعتها إسرائيل بعد أحداث كانون الأول/ديسمبر 2024. فالقضية ترتبط أساساً برؤية السوريين للصراع العربي الإسرائيلي، وهي رؤية عميقة الجذور في الوعي القومي السوري منذ عشرينيات القرن الماضي، قبل أن يستثمرها نظام الأسد ويشوّهها عبر تحالفاته الإقليمية، ولا سيما تمكين إيران وأذرعها، وعلى رأسها حزب الله، من تحويل الصراع من طابع قومي إلى طابع طائفي، والادعاء بالاحتكار الحصري لـ”حق المقاومة”.

 

وأدى هذا التحول إلى خلق فجوة بين الشعوب العربية وقضيتها المركزية، خصوصاً مع الممارسات التي استندت إلى شعار المقاومة لتبرير النفوذ الإيراني في عدة عواصم عربية، واستخدامه لقمع السوريين واللبنانيين والعراقيين واليمنيين. كما ساهمت الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على سوريا بعد سقوط النظام السابق، ودعمها لحركات التمرد في السويداء، في تعميق هذا الرفض الشعبي.

 

هذا الواقع يعيد سوريا تدريجياً إلى مقاربتها التأسيسية في فهم الصراع، ما يجعل التطبيع مع إسرائيل مساراً معقّداً. فإلى جانب الملفات العالقة وفي مقدمتها الجولان، لا يبدو الشارع السوري مستعداً لأي تغيير استراتيجي لا يُقابله تقدم ملموس في القضية الفلسطينية، التي لطالما اعتُبرت من أولوياته القومية.

 

وبناءً على ذلك، يُرجح أن يقتصر أي تقدم على اتفاقية أمنية جديدة تحلّ محلّ اتفاقية الهدنة لعام 1974 التي خرقتها إسرائيل، على أن تحفظ للدولة السورية دورها وحرية تحركها في الجنوب، كما أكد الرئيس الشرع. وفي المقابل، تُظهر الدول الغربية مقاربة أكثر واقعية تجاه سوريا، مع تخفيف القيود التي فرضتها سابقاً على مسار التطبيع والاعتراف بشرعية الحكم بعد الثامن من كانون الأول/ديسمبر، ما يمهد لمرحلة من التعاون الأمني والعسكري والسياسي، تكون فيها دمشق جزءاً أساسياً من الاستراتيجية الدولية في المنطقة، فيما تبقى قضايا مثل التطبيع مرتبطة بحسابات المصالح، لا بالضغوط.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce