مقالات

حزب الله بين إرث عماد مغنية وامتحان الأمن المفقود

حزب الله بين إرث عماد مغنية وامتحان الأمن المفقود

كشفت الحرب الأخيرة حجم الاختراق الأمني الذي أصاب حزب الله، بعد استهداف عدد من قادته الميدانيين والأمنيين، ما دفعه إلى فتح تحقيقات داخلية موسعة لمحاولة تحديد مصدر الخلل الذي ضرب بنيته العميقة. الحزب، الذي لطالما أحاط عمله بسريّة صارمة وانضباط عسكري، بدا في الأشهر الماضية أكثر انكشافاً، إذ تسربت تفاصيل تنظيمية إلى العلن لم تكن متاحة حتى لبعض كوادره.

 

هذا الانكشاف لا يبدو مجرد ضعف عابر، بل يعكس غياب نهج كامل كان يحكم العمل الأمني في الحزب، وهو النهج الذي ارتبط بشخص عماد مغنية. الرجل الذي كان يُلقب بـ”العمود الفقري” للمنظومة الأمنية لم يكن قائداً ميدانياً فقط، بل مهندساً لفلسفة أمنية قائمة على الشك والرقابة المتبادلة، وفقدانه ترك فراغاً لم يُملأ حتى اليوم.

 

منذ مطلع الألفية، رسّخ مغنية مدرسة خاصة في التعامل مع الأدوات الأمنية. فحين قرر إدخال أجهزة “البيجر” إلى لبنان عام 2002، لم يتعامل معها كوسيلة اتصال فقط، بل كتهديد محتمل، فجمعها على مراحل ومن دول مختلفة، وأخضعها لاختبارات دقيقة استمرت عاماً كاملاً قبل أن يسمح باستخدامها. هذا النهج الصارم، الذي أكده مقربون منه، جعل من وحدات الحزب العسكرية والأمنية انعكاساً لفكره لا لمجرد أوامره.

 

حتى عام 2006، كان يُقال إن مغنية تولى أمن الأمين العام السيد حسن نصرالله بنفسه، وأنه ابتكر شبكة حماية متبدلة باستمرار. وقد روى قاسم سليماني في إحدى شهاداته أنه اختبر براعة مغنية ميدانياً خلال حرب تموز حين أنقذ المجموعة من غارة إسرائيلية وشيكة. شهادات رفاقه، مثل مسؤول وحدة الاستخبارات الحاج مرتضى، أكدت أن “الحاج رضوان” لم يكن مجرد قائد بل المرجع الأول للعقل الأمني داخل الحزب.

 

لكن بعد اغتياله عام 2008، ومع كل ما قيل يومها عن آلاف المقاتلين المدربين الذين خلفهم، بدا أن المؤسسة فقدت المنهج أكثر مما فقدت الرجل. فقد ظل الحزب بمنأى عن اختبارات أمنية كبيرة حتى عام 2024، حين ظهر مكشوفاً أمام ضربات إسرائيلية دقيقة. المشكلة لم تكن في نقص العتاد أو المقاتلين، بل في غياب تلك المنظومة التي جعلت من التفاصيل الصغيرة أساساً للبقاء.

 

اليوم، وبينما تعلن قيادة الحزب أن “المقاومة استعادت عافيتها” كما جاء في خطاب الشيخ نعيم قاسم، يظل السؤال معلقاً: هل تجاوز الحزب فعلاً مرحلة الانكسارات البنيوية التي كشفتها الحرب؟ قد تبدو الإجابة إيجابية في الخطاب الرسمي، لكن الواقع يوحي بغير ذلك. فخسارة قائد بحجم عماد مغنية أظهرت أن غياب فرد واحد قادر على إرباك مؤسسة بأكملها، فكيف بالحزب وقد خسر معظم قيادته الأمنية في السنوات الأخيرة؟

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce