مقالات

المشهد الأخير: نصر الله بين فخّ الحرب وانقطاع الحبل مع طهران

المشهد الأخير: نصر الله بين فخّ الحرب وانقطاع الحبل مع طهران

 

في الأشهر التي سبقت اغتياله، بدا الأمين العام السابق لـ«حزب الله» حسن نصر الله واثقاً من أن «حرب الإسناد» في لبنان ستبقى ضمن حدود «قواعد الاشتباك» التي حكمت العلاقة مع إسرائيل منذ عام 2006، وأن طهران لن تتخلى عن مشروع «المقاومة الإسلامية» الذي رعته على مدى أربعة عقود. إلا أن الحسابات التي بنى عليها رهاناته تهاوت سريعاً أمام تصعيد ميداني واسع جعل الحرب دموية وشاملة بحلول سبتمبر (أيلول) 2024.

 

تشير شهادات جمعتها «الشرق الأوسط» من شخصيات لبنانية وعراقية كانت على تماس مباشر مع قيادة الحزب خلال تلك الفترة، إلى أن اغتيال أبرز القادة الميدانيين أفقد نصر الله القدرة على السيطرة، ودفع الحزب إلى مرحلة من الارتباك الميداني والاستخباري. وبحسب أحد المتحدثين، فإن «أسراراً ميدانية دُفنت مع القادة الذين اغتالتهم إسرائيل، ومعهم فقد الحزب خبرته التشغيلية وقدرته على المناورة».

 

خلال تسعة أشهر من الحرب، قُتل نحو 3768 شخصاً وجُرح أكثر من 15 ألفاً في لبنان، وفقاً لإحصاءات رسمية، بينما خسر «حزب الله» قرابة 2500 مقاتل في غارات إسرائيلية استهدفت ما يزيد على 12 ألف موقع، من بينها مراكز قيادية حساسة. ومع توالي الضربات، خسر نصر الله ثلاثة من أبرز معاونيه: طالب عبد الله (أبو طالب)، إبراهيم عقيل، ووسام الطويل، ما جعله يفقد تدريجياً «العيون الثلاث» التي كان يعتمد عليها في متابعة سير المعارك.

 

تؤكد شهادات رجال دين وقيادات سابقة أن نصر الله كان شديد التعلق بالتفاصيل الميدانية، لكن اغتيال القادة الثلاثة حرمه من أدواته الأساسية في اتخاذ القرار. وفيما كان الحزب يعتقد أن إيران ستتدخل لضبط إيقاع الحرب عبر مفاوضاتها الإقليمية، كانت طهران تواجه بدورها ارتباكاً متزايداً، فانعكس الصمت في الميدان، وتراجعت فعالية «القيادة المركزية» التي كانت تربط الضاحية الجنوبية بطهران.

 

وتكشف المصادر أن أزمة الحزب لم تكن في فقدان القادة فقط، بل في غياب منظومة مؤسساتية تحفظ الخبرات والمعلومات. فكل قائد كان يحتفظ بخرائطه وبياناته الخاصة، وحين يُقتل، تُدفن معه أسرار العمليات. ومع مرور الوقت، أصبحت الطائرات المسيّرة الإسرائيلية، بحسب تعبير أحد المصادر، «أكثر دراية بوحدات الحزب من قادتها الجدد».

 

بدأت الشكوك تتسلل إلى الدائرة المقربة من نصر الله بعد اغتيال القيادي الفلسطيني صالح العاروري مطلع عام 2024، حين أدرك الحزب أن الاختراق الاستخباري بلغ مستويات غير مسبوقة. حاولت القيادة تفكيك شبكات الاتصال وكشف مصدر التسريب، لكن انفجار أجهزة الاتصال اللاسلكية «البيجر» شكّل ضربة قاصمة، إذ عُزلت الوحدات الميدانية عن القيادة، ودخل الحزب في حالة شلل عملياتي استمرت أسابيع.

 

وتفيد شهادات عراقية بأن إيران أوعزت إلى فصائل موالية لها في بغداد بدعم «حزب الله» إعلامياً لا ميدانياً، ما عُدّ إشارة إلى تراجع الحماس الإيراني لخوض مواجهة شاملة. حتى حين عرضت بعض الفصائل إرسال مقاتلين إلى لبنان، جاء الرد الإيراني حاسماً: «حتى نصر الله لا يريد ذلك».

 

في الأسابيع الأخيرة من حياته، كان نصر الله يعيش عزلة ميدانية تامة، بعدما أدرك أن الحرب خرجت عن السيطرة وأن الدعم الإيراني تراجع. وفي 27 سبتمبر 2024، حضر تشييع قائد وحدة المسيّرات محمد سرور، قبل أن يتوجه إلى الضاحية الجنوبية برفقة نائب قائد «فيلق القدس» في لبنان عباس نيلفوروشان. هناك، في أحد المخابئ تحت الأرض، انتهت رحلتهما في غارة استخدمت فيها إسرائيل أطناناً من المتفجرات الخارقة للتحصينات، معلنةً نهاية مرحلة وبدء أخرى غامضة في تاريخ الحزب والمنطقة.

 

يرى مراقبون أن المشهد الأخير كشف بوضوح حجم الفجوة التي اتسعت بين الحزب وطهران، وأن ما كان يوصف بـ«حبل السرة» بينهما انقطع فعلياً مع سقوط نصر الله. فإيران، المنشغلة بتداعيات الحرب الإقليمية، لم تستطع حماية حليفها الأبرز، فيما وجد الحزب نفسه في عزلة ميدانية واستخبارية جعلته يفقد القدرة على المبادرة. ومع ذلك، فإن نهاية الحرب لم تُنهِ جذوة الصراع، إذ لا يزال الجمر يشتعل تحت الأنقاض، كما يصفه أحد رجال الدين اللبنانيين، «ففي لبنان، يُكتب السلام في الصفحة نفسها التي تُرسم فيها خطوط النار».

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce