
لبنان في مواجهة الجرائم المالية: إصلاحات شكلية وواقع يقترب من العزلة الدولية
لبنان في مواجهة الجرائم المالية: إصلاحات شكلية وواقع يقترب من العزلة الدولية
بينما يستعد لبنان للمشاركة في اجتماعات الخريف التي ينظمها صندوق النقد والبنك الدولي في واشنطن، لا تزال الإصلاحات المطلوبة لتثبيت الاستقرار المالي ومكافحة الجرائم الاقتصادية تراوح مكانها. فالدولة لم تتخذ بعد الخطوات الجدية الكفيلة بحماية اقتصادها الرسمي، أو ضبط اقتصاد الظل الذي يتوسع بوتيرة تنذر بالخطر. ومع تفشي الجرائم المالية وتبييض الأموال وتمويل الإرهاب، يتحول لبنان تدريجاً إلى معبر يسهل العمليات غير المشروعة، ما يهدد سمعته الدولية ويعرضه لعقوبات إضافية.
تتداخل مظاهر الأزمة اللبنانية في نقطة محورية واحدة هي الفساد، الذي نسجت خيوطه الطبقة السياسية طوال عقود، وجذب إليه شريحة من القطاع الخاص وفي مقدمها المصارف التي تحولت من شريك في تمويل الدولة إلى شريك في منظومة الفساد نفسها. ومع تفاقم الانهيار، أصبحت المصارف اليوم تتحدث بلغة مكافحة الجرائم المالية لتجنّب العقوبات الدولية، بعد أن كانت طرفاً في المشكلة التي أطاحت بودائع اللبنانيين.
ويرى المدير العام لمجموعة KCG، فؤاد خليفة، أنّ ضياع الودائع يعود إلى الفساد وسوء الإدارة أكثر من الأسباب التقنية، متسائلاً: «أين ذهبت الأموال التي اقترضتها الدولة من المصارف؟». كلامه جاء خلال قمة KCG لمكافحة الجرائم المالية 2025 التي ركزت على علاقة الفساد بالأزمة اللبنانية، ومخاطر إدراج لبنان على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي FATF.
ويحذر خليفة من أن تأخير الإصلاحات يعزز مناعة النظام القائم ضد التغيير، ويجعل الأجيال الجديدة تتكيف مع الفساد بوصفه أمراً طبيعياً، ما يدفعها إلى البحث عن الوساطات بدلاً من الإنتاجية.
من جهته، أشار المدير العام لبنك سوريا ولبنان، غنطوس الجميّل، إلى أن المصارف اللبنانية باتت أكثر التزاماً بمعايير الامتثال المالي وتدقيق العمليات المصرفية، لكنها تبقى عاجزة عن مواجهة اقتصاد «الكاش» الذي تتغاضى الدولة عن ضبطه، وهو ما أدى إلى إدراج لبنان على اللائحة الرمادية. ورحّب الجميّل بقرار وزير العدل المتعلق بإلزام كتّاب العدل التحقق من هوية المالكين ومصادر الأموال، معتبراً ذلك خطوة إيجابية في مواجهة الجرائم المالية.
وفي موازاة الجهود المصرفية، أكد قائد وحدة الشرطة القضائية في قوى الأمن الداخلي العميد زياد قائدبيه، أن المديرية العامة لقوى الأمن تعمل على تطوير أدواتها وتحديث قطاعاتها المتخصصة بمكافحة الجرائم المالية وتبييض الأموال، وتعزيز التعاون مع الإنتربول والجهات الدولية المعنية.
لكن هذه الجهود تبقى محدودة في ظل عجز الدولة عن مجابهة الفساد المستشري، كما يشير الخبير المالي محمد فحيلي، الذي يرى أن القطاع الخاص أكثر قدرة على التكيف مع المتغيرات من الطبقة السياسية الغارقة في الإنكار. وبرأيه، فإن التعايش الرسمي مع الأزمة يشجع تمدد اقتصاد الظل ويقوّض التنمية الحقيقية، في حين تستمر الاستثناءات والإعفاءات الضريبية التي وُلدت من رحم الفساد.
ويرى الخبير القانوني كريم ضاهر أن لبنان يحتاج إلى الانتقال من «الإيحاء بالإصلاح» إلى تطبيق فعلي للإجراءات المطلوبة دولياً للخروج من اللائحة الرمادية. محذراً من أنّ استمرار النهج الحالي قد يجر البلاد إلى تصنيف «دولة غير متعاونة»، وهي مرحلة تسبق اللائحة السوداء، بما يعنيه ذلك من شلل في التحويلات المالية وصعوبة في الاستيراد وانكماش اقتصادي حاد.
ويضيف ضاهر بنبرة تحذير: «لا نزال في لبنان نعتقد أننا نخدع العالم، بينما الحقيقة أن العالم لم يعد ينخدع».
ومع غياب الإرادة السياسية الجدية، تتجه البلاد إلى مزيد من الغرق في دائرة الفساد والجرائم المالية، ما يجعل أي مشاركة في المحافل الدولية مجرّد استعراض دبلوماسي لواقع لم يتغير، فيما الثقة تتآكل يوماً بعد يوم.



