مقالات

اتفاق غزة يبدّل موازين المنطقة: لبنان بين تهدئة ضرورية واحتمالات تصعيد خفي

اتفاق غزة يبدّل موازين المنطقة: لبنان بين تهدئة ضرورية واحتمالات تصعيد خفي

تزداد التساؤلات في لبنان حول تداعيات اتفاق غزة على الساحة الداخلية والإقليمية، في ظل مسار سياسي إسرائيلي يقوده بنيامين نتنياهو، يعتمد منذ سنوات على إشعال الحروب كوسيلة لتثبيت موقعه السياسي وتحقيق طموحاته التاريخية. فالرجل الذي يسعى لترسيخ نفسه كـ«ملك ملوك إسرائيل»، يستثمر نتائج الحروب لإحياء مشروع «إسرائيل الكبرى»، بدعم أميركي واضح، عبّر عنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب حين تحدث عن «حاجة إسرائيل إلى التوسع».

 

ومع ذلك، لا تبدو المؤشرات الراهنة ترجّح اندلاع حرب إسرائيلية جديدة على لبنان، إذ تربط واشنطن أي عمل عسكري بضوء أخضر أميركي، وهو ما لا تراه مناسباً في المرحلة الحالية. فإدارة ترامب، الساعية إلى نيل جائزة نوبل للسلام عبر إنهاء حرب غزة، لا تجد مصلحة في إشعال جبهة جديدة قد تُتهم الولايات المتحدة بالمشاركة فيها.

 

على الصعيد الداخلي، نجح الأميركيون عبر أدواتهم السياسية، كوساطة توم باراك، في نقل الصراع بين لبنان وإسرائيل إلى الداخل اللبناني من خلال إثارة الانقسام حول مسألة «حصرية السلاح». هذا المسار خفّف عن إسرائيل الحاجة إلى خوض مواجهة مباشرة، إذ وجدت نفسها قادرة على الاستفادة من التوتر الداخلي دون دفع ثمن عسكري أو سياسي كبير.

 

وفي المقابل، فإن التزام المقاومة باتفاق غزة في مواجهة الخروق الإسرائيلية يسحب من تل أبيب أي مبرر لشن حرب واسعة، بعدما فقدت الحجة التي استندت إليها في حروبها السابقة بذريعة «اعتداء المقاومة».

 

في الداخل الإسرائيلي، تبرز أولويات جديدة تتعلق بمواجهة إيران، خصوصاً بعد إعادة فرض العقوبات الأممية عليها. وقد ترى إسرائيل في استهداف طهران فرصة لإضعاف محور المقاومة في لبنان من دون الحاجة إلى مواجهة مباشرة معه. ومع ذلك، تبقى إسرائيل ماضية في سياسة «الضغط المتدرج» عبر سلسلة اعتداءات متفرقة قد ترتفع وتيرتها أو تهدأ تبعاً للظروف، كما أظهرت عملياتها الأخيرة التي لم تتورع عن استهداف مدنيين، كما في حادثة بنت جبيل.

 

وفي مواجهة هذا الواقع، تظهر مؤشرات على رغبة الأطراف اللبنانية، بما فيها حزب الله، في خفض التوتر وتجنب التصعيد، من خلال اتصالات ولقاءات مرتقبة يُنتظر أن ترسخ مسار التهدئة.

 

أما في ما يخص ملف سلاح حزب الله، الذي حاول البعض ربطه باتفاق غزة وتسليم سلاح حماس، فيؤكد المقربون من الحزب أن سلاح المقاومة كان الأساس في فرض الاتفاق وإسقاط أهداف المشروع الإسرائيلي. فالإنجازات التي تحققت في غزة، من وقف العدوان إلى منع التهجير وإطلاق الأسرى وبدء الإعمار، جاءت بفضل صمود المقاومة وقدرتها على فرض معادلات جديدة بدعم من وسطاء دوليين كأميركا وقطر ومصر والسعودية وتركيا.

 

ويرى هؤلاء أن النقاش حول السلاح يجب أن يُقرأ في ضوء النتائج التي حققها خيار المقاومة والدبلوماسية معاً، وأن يُبنى على تقييم موضوعي لمسار حماية الحقوق الوطنية، بعيداً عن السجالات السياسية ومحاولات تسجيل النقاط.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce