
احتفالات فلسطينيي لبنان باتفاق غزة… فرح لا يحجب الهواجس السياسية
احتفالات فلسطينيي لبنان باتفاق غزة… فرح لا يحجب الهواجس السياسية
خيّم الفرح على المخيمات الفلسطينية في لبنان عقب إعلان حركة “حماس” موافقتها على مبادرة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب لوقف الحرب في غزة، رغم الحذر الذي سبق الإعلان وعبّر عنه مرجع سياسي فلسطيني بالقول إن الحركة “وافقت على المبادرة ولم توافق على بنودها”. فما إن تناقلت الأنباء نبأ التفاهم حول المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، حتى خرج الفلسطينيون ليلاً من منازلهم في المخيمات والتجمعات، يهتفون لغزة، وتصدح المساجد بتكبيرات العيد، فيما تعالت الأغاني الوطنية في الأزقة والبيوت حتى ساعات الفجر.
تلك المشاهد لم تكن مجرد مظاهر تضامن، بل امتداد لوجعٍ واحدٍ ودمٍ مشتركٍ بين المخيمات وغزة. فطيلة 734 يوماً من الحرب، لم يتوقف اللاجئون الفلسطينيون في لبنان عن تقديم الدعم المادي والمعنوي، رغم فقرهم وظروفهم الصعبة، لتتحول المخيمات إلى امتدادٍ وجدانيٍّ لغزة المحاصرة.
في مخيم برج البراجنة، ارتفعت الهتافات الممزوجة بالعاطفة والتاريخ، كأنها تعيد إلى الأذهان مشاهد انتفاضة عام 1987 حين كان الفلسطينيون في الشتات يلتفون حول المذياع لسماع أخبار جباليا. واليوم، تعود الروح ذاتها، إذ أعادت غزة إشعال جذوة الأمل في قلوبٍ لم تعرف الوطن إلا عبر الذاكرة.
أما في مخيم عين الحلوة، فكانت الوحدة الوطنية حاضرة في الهتافات التي جمعت “حماس وفتح والجبهة الشعبية”، في مشهدٍ عبّر عن تلاقي الفصائل على أرضيةٍ واحدة، بعد أن اختلط دم أبنائها في جولات القتال الأخيرة. وتشير الإحصاءات إلى أن عدد الشهداء الفلسطينيين في لبنان منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر تجاوز 140 شهيداً.
ورغم زخم الاحتفالات، لم تغب الأسئلة السياسية عن المشهد. فالفلسطينيون في لبنان، الذين أنهكتهم مشاهد الدم في غزة على مدى عامين، يدركون أن الانتصار لا يُقاس فقط بالهدوء الميداني، بل بقدرة القضية على الصمود. ومع ذلك، فضّل كثيرون الامتناع عن استخدام كلمة “انتصار”، احتراماً لدماء الشهداء وآلام ذويهم.
في مخيم البداوي، وقفت الحشود أمام جداريةٍ تمثّل الطفلتين الشهيدتين زينب وفاطمة سعيد علي اللتين قضتا مع عائلتهما خلال استهداف سابق للمخيم، لتعلو الهتافات “لبيك يا غزة”، في مشهدٍ تكرّر في مخيمات نهر البارد والرشيدية والجليل وغيرها، حيث توحّد الفلسطينيون على الفرح والدموع معاً.
الكاتب والإعلامي الفلسطيني حمزة بشتاوي قال في حديث لـ”المدن” إن “الطوفان الذي عاشته غزة ترك أثره في وجدان كل الفلسطينيين في الداخل والشتات، خصوصاً في لبنان، حيث تابع اللاجئون مشاهد الحرب بكل تفاصيلها، واعتبروا الاتفاق ثمرة للوحدة الوطنية الفلسطينية، التي منحت المفاوض والمقاتل الشرعية ذاتها”. وأضاف أن “هذا الحدث عزّز مشاعر الفخر والعزّ، وأعاد الثقة بخيار المقاومة والوحدة”.
ويرى مراقبون أن نتائج الاتفاق لن تقتصر على غزة وحدها، بل ستنعكس على الساحة الفلسطينية في لبنان، التي تتأثر عادةً بتطورات الداخل. ففشل إخضاع “حماس” في غزة سيمنحها زخماً سياسياً ومعنوياً في المخيمات اللبنانية، لكن من دون وضوحٍ في مدى استمرارية هذا التأثير، في ظل بيئة سياسية متقلّبة وضغوطٍ لبنانية متزايدة تدعو إلى معالجة ملف السلاح الفلسطيني خارج المخيمات ضمن مقاربةٍ أشمل للحقوق الاجتماعية والإنسانية للاجئين.
وفيما تتواصل الاحتفالات في المخيمات، يبقى الفلسطينيون في لبنان بين لحظة فرحٍ عارمة وسؤالٍ كبير عن المستقبل، وعن موقعهم في المعادلة الجديدة التي ترسمها غزة من رماد الحرب.



