
من يربح من الحرب مع إيران؟
من يربح من الحرب مع إيران؟
شفيق طاهر
في الحروب، لا يكون السؤال الأهم من أطلق النار أولا، بل من ينجح في تحويل النار إلى مكسب سياسي أو اقتصادي أو استراتيجي. وفي الحرب الدائرة اليوم مع إيران، لا يبدو المشهد يسمح بتحديد رابح واضح وخاسر واضح. فهذه ليست مواجهة تقليدية بين دولتين يمكن قياس نتائجها بعدد الأهداف المدمرة أو حجم التقدم العسكري، بل صراع مفتوح على خرائط النفوذ، وأسواق الطاقة، وتوازنات المنطقة، وقدرة الأنظمة على الصمود أو الاستثمار في الفوضى.
لهذا، يبدو الحديث عن مستفيد من الحرب مع إيران أقرب إلى الحديث عن رابحين مؤقتين، يحقق كل منهم مكسبا في زاوية معينة، فيما تغرق المنطقة كلها في خسائر أوسع وأعمق.
النفط أولاً
إذا كان لا بد من البحث عن مستفيد مباشر وسريع، فإن أسواق الطاقة تأتي في المقدمة. فكل حرب تقع في الخليج أو على تماس مع مضيق هرمز تعني تلقائيا ارتفاعا في أسعار النفط والغاز، وعودة الخوف العالمي من اختناق الإمدادات. وفي مثل هذا المشهد، لا تحتاج شركات الطاقة الكبرى إلى إعلان موقف سياسي أو عسكري، لأن السوق نفسها تتكفل بمنحها الأرباح.
الارتفاع الكبير في الأسعار لا يفيد فقط الشركات النفطية، بل ينعكس أيضاً على الدول المصدرة للنفط التي تقف خارج ساحة الاستهداف المباشر. وكلما طال أمد التوتر، تحولت براميل النفط إلى مورد سياسي ومالي مضاعف، يتيح لهذه الدول والشركات تحسين إيراداتها.
شركات التأمين
ولا يقتصر الربح المادي في زمن الحرب على النفط وحده، إذ تجد شركات التأمين، وخصوصا شركات إعادة التأمين، مساحة إضافية للاستفادة من اتساع الخطر. فالحروب الإقليمية لا ترفع فقط احتمالات الخسارة، بل ترفع أيضا كلفة التغطية على النقل البحري والجوي، وعلى التجارة والاستثمارات والبنى التحتية في المنطقة. ومع كل تصعيد جديد، يعاد تسعير المنطقة كلها بوصفها مساحة أعلى خطرا وأكثر هشاشة، فتزداد الأقساط، وتتقلص التغطيات، وتنقل الأعباء إلى الدول والشركات والعملاء.
صحيح أن هذه الشركات لا تقف خارج دائرة المخاطر تماما، إذ قد تتحمل تعويضات كبيرة في بعض الحالات، لكن قدرتها على إعادة توزيع الكلفة وتشديد الشروط تجعلها، في المدى القصير على الأقل، من بين المستفيدين من مناخ الحرب المفتوح
إسرائيل
في الحسابات الإسرائيلية، تبدو الحرب مع إيران فرصة لإعادة رسم قواعد الاشتباك في المنطقة. فتل أبيب لا تخوض المعركة بوصفها جولة عسكرية معزولة، بل باعتبارها محاولة لتقليص الخطر الإيراني، سواء عبر ضرب القدرات العسكرية المباشرة، أو عبر إضعاف الازرع التي اوجدتها طهران خلال السنوات الماضية في أكثر من ساحة عربية.
لكن هذا المكسب يبقى محدودا. فالحرب قد تمنح إسرائيل فرصة لتسجيل تفوق عسكري أو استخباري، لكنها لا تضمن لها بالضرورة حسم الصراع. بل إن النجاح في توجيه ضربات مؤلمة لإيران قد يفتح الباب أمام حرب استنزاف أطول، تتسع فيها الجبهات وتتعاظم فيها الكلفة الأمنية والاقتصادية. وعندها، يصبح ما بدا في البداية مكسبا سريعا عبئا استراتيجيا.
النظام الإيراني
المفارقة أن إيران نفسها، رغم كونها هدفا مباشرا للحرب، قد تجد في العدوان الخارجي فرصة لإعادة شد عصب الداخل حول السلطة. فحين تتعرض الدول لهجوم خارجي، تتراجع، ولو مؤقتا، الانقسامات الداخلية أمام خطاب السيادة والدفاع عن البلاد.
في هذا السياق، قد يستفيد التيار المتشدد داخل النظام الإيراني من الحرب أكثر من غيره. فالحرب تسمح بتشديد القبضة الأمنية، وإسكات الاعتراضات الداخلية، واتهام الخصوم بالعمل لمصلحة الخارج، كما تتيح تحويل الأزمات المعيشية والسياسية إلى نتائج طبيعية لمعركة مفروضة من الخارج. وهكذا، قد لا تسقط الحرب النظام، بل قد تمنحه، في المدى القصير على الأقل، أسبابا إضافية للبقاء.
الولايات المتحدة
أما الولايات المتحدة، فليست في موقع الرابح الصافي، حتى لو حققت الحرب بعض أهدافها في إضعاف إيران أو تطويق نفوذها. فواشنطن تعرف أن أي اشتعال طويل في الخليج سيصيب الاقتصاد العالمي في مقتل، ويرفع أسعار الطاقة، ويضغط على الحلفاء، ويعقد أولوياتها في أكثر من ملف دولي.
صحيح أن الإدارة الأميركية قد ترى في الحرب فرصة لتأكيد التزامها بأمن حلفائها، لكن الكلفة المترتبة على حرب طويلة قد تكون أكبر كثيرا من أي مكسب سياسي مباشر. فالحرب هنا لا تمنح واشنطن نصرا واضحا، بقدر ما تدفعها إلى إدارة أزمة متدحرجة، يصعب التحكم بمساراتها ونهاياتها.
الخاسر الأكبر المنطقة كلها
في المحصلة، يبدو أن السؤال عن المستفيد من الحرب مع إيران لا يقود إلى اسم واحد، بل إلى مجموعة من الأطراف التي تحقق أرباحا جزئية ومؤقتة، شركات النفط، وشركات التأمين وإعادة التأمين، وبعض الدول المصدرة للطاقة، والتيارات المتشددة، وربما إسرائيل في حدود معينة. لكن هذه الأرباح لا تلغي حقيقة أكثر وضوحا المنطقة كلها تخسر.
تخسر إيران من أمنها واقتصادها، ويخسر جيرانها العرب من استقرارهم، ويخسر العالم من أمن الطاقة، فيما تدفع الشعوب، شعوب المنطقة كلها مرة جديدة ثمن الصراع الأكبر من قدرتها على الاحتمال. لذلك، لا تبدو الحرب مع إيران طريقا إلى نصر حاسم، بل إلى فوضى يتقاسم الجميع بعض نتائجها، فيما يبقى الخراب هو الحقيقة الأكثر رسوخا



