
تصعيد بري خطير في جنوب لبنان: إسرائيل تتقدم داخل القرى وتوسع سيطرتها الميدانية
تصعيد بري خطير في جنوب لبنان: إسرائيل تتقدم داخل القرى وتوسع سيطرتها الميدانية
يتصاعد المشهد العسكري في جنوب لبنان مع استمرار العمليات البرية الإسرائيلية التي تسعى إلى تثبيت وقائع ميدانية جديدة داخل القرى الحدودية، بالتوازي مع التفوق الجوي الذي طالما شكّل العنصر الحاسم في الحروب بين إسرائيل ولبنان. فإلى جانب الغارات الجوية المكثفة التي تستهدف البنى التحتية والمناطق السكنية، تتحرك القوات الإسرائيلية على الأرض ضمن عملية عسكرية تمتد من بلدة الخيام شرقاً حتى الناقورة غرباً، في محاولة للتوغل إلى عمق الأراضي اللبنانية وفرض سيطرة ميدانية أوسع.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن القرى الحدودية تعرضت خلال الأشهر الماضية لعمليات تدمير واسعة ومنهجية، هدفت إلى إفراغ المنطقة من مقومات الحياة وتحويلها إلى مناطق شبه خالية من السكان، إضافة إلى إزالة أي مواقع يمكن أن تستخدمها المقاومة كنقاط دفاع أو تمركز. وقد أدت العمليات العسكرية السابقة منذ عام 2024 إلى استنزاف جزء كبير من البنية القتالية في تلك المناطق، ما جعلها أكثر انكشافاً أمام التقدم العسكري.
ورغم ذلك، تفاجأت إسرائيل باستمرار حضور عناصر حزب الله جنوب نهر الليطاني، حيث شاركوا في مواجهات مباشرة وأطلقوا صليات صاروخية من قرى قريبة من الحدود. وبحسب معلومات ميدانية، دفعت إسرائيل بنحو خمسة ألوية عسكرية على طول الجبهة الممتدة من المطلة إلى أفيفيم، أي في المحور المقابل للقرى اللبنانية بين الخيام ومارون الرأس، بهدف توسيع نطاق التقدم البري.
وتُعد بلدة الخيام إحدى النقاط الأكثر حساسية في المعركة الدائرة، إذ تمكنت القوات الإسرائيلية من الوصول إلى محيط معتقل الخيام، وهو موقع يمنحها قدرة عملياتية لمراقبة المنطقة المحيطة. إلا أن التقدم هناك يواجه مقاومة متواصلة، فيما تستهدف الصليات الصاروخية والطائرات المسيّرة مواقع القوات المتقدمة.
وفي محيط الخيام، تقدمت القوات الإسرائيلية أيضاً نحو بلدات العديسة ومركبا ورب ثلاثين، قبل أن تتجه نحو الطيبة بعد عمليات إحراق وتدمير طالت عدداً من المنازل في تلك المناطق. ويأتي هذا التقدم في ظل واقع ميداني مختلف عن الحروب السابقة، بعدما تعرضت القرى الحدودية لدمار كبير خلال المعارك الأخيرة.
أما في القطاع الأوسط، فقد تحركت القوات الإسرائيلية من موقع العباد باتجاه بلدة حولا القريبة من وادي السلوقي، مع ورود تقارير عن وصولها إلى أطراف بلدة مجدل سلم، وتحديداً في محيط منتجع أكاسيا، ما يشير إلى أن التوغل العسكري داخل الأراضي اللبنانية وصل إلى عمق يناهز خمسة كيلومترات. وتفيد مصادر عسكرية بأن هذه التحركات قد تكون جزءاً من عمليات استطلاع ميداني تهدف إلى تحديد مسارات تقدم القوات وتأمين الغطاء العسكري لها.
وفي الوقت نفسه، يواصل الجيش الإسرائيلي تعزيز وجوده في بلدات مارون الرأس وعيترون في القطاع الأوسط، وهي مناطق استراتيجية تسمح بالتحرك لاحقاً باتجاه مدينة بنت جبيل. وتشهد هذه الجبهة عمليات قصف متبادل بين الحين والآخر، مع استمرار استهداف تجمعات القوات الإسرائيلية.
أما في القطاع الغربي، فقد سُجلت تحركات عسكرية في محيط بلدة علما الشعب التي أُفرغت من سكانها، في مؤشر إلى احتمال فتح محور تقدم باتجاه بلدة الناقورة الساحلية. وتشير التقديرات إلى أن هذا المحور قد يمر عبر مرتفع جبل بلاط باتجاه بلدات شيحين والجبين وطير حرفا وصولاً إلى منطقة البياضة، التي تُعد نقطة استراتيجية تطل على مدينة صور وقراها.
وتركز القوات الإسرائيلية في هذه المرحلة على السيطرة على المرتفعات والتلال الحيوية التي توفر إشرافاً نارياً واسعاً على المناطق المحيطة، ومن بينها تلة العويضة وتلة العزية في محيط كفركلا ودير ميماس، إضافة إلى مشروع الطيبة الذي يعتبر نقطة استراتيجية مهمة في القطاع الأوسط.
وفي موازاة العمليات البرية، تعمل إسرائيل على استهداف الجسور والطرق الرئيسية في الجنوب بهدف عزل القرى عن بعضها البعض وقطع خطوط الإمداد. وقد أدت الغارات الأخيرة إلى تدمير طرق حيوية تربط بين مرجعيون والخيام، إضافة إلى استهداف جسر طيرفلسيه وجسر وادي الحجير – القنطرة، ما أدى إلى تعطيل حركة التنقل والإمداد في عدد من المناطق.
وتشير مصادر عسكرية إلى أن هذه الضربات تهدف إلى محاصرة مناطق المواجهة وعزلها، خصوصاً مدينة الخيام التي تشهد معارك متواصلة. كما تسعى إسرائيل من خلال قطع الطرق إلى منع نقل الإمدادات أو تحرك المقاتلين بين القرى، فضلاً عن فرض رقابة أكبر على حركة المدنيين.
ولا تستبعد المصادر أن تشهد الأيام المقبلة تصعيداً إضافياً في القصف على مناطق يحمر الشقيف وأرنون، وذلك لتأمين خطوط تقدم الآليات العسكرية الإسرائيلية التي تتعرض أحياناً لاستهداف من تلك الجبهة.
وفي المقابل، تؤكد مصادر في حزب الله أن الحديث عن معارك واسعة داخل بعض القرى الحدودية قد يكون مبالغاً فيه، مشيرة إلى أن تلك المناطق كانت قد تعرضت للتدمير سابقاً. ومع ذلك، تقول المصادر إن مقاتلي الحزب تمكنوا من الوصول إلى تلك الجبهات بأسلحة فردية وواصلوا القتال هناك.
وبحسب هذه الرواية، فإن التقدم الإسرائيلي كان متوقعاً في ضوء المعطيات العسكرية القائمة، إلا أن استهداف تجمعات القوات الإسرائيلية سيستمر، فيما تعتبر المقاومة أن الوضع الميداني لا يزال تحت السيطرة.
في ظل هذه التطورات، تبدو المعركة في جنوب لبنان مفتوحة على احتمالات متعددة، مع استمرار التقدم البري الإسرائيلي ومحاولات فرض وقائع عسكرية جديدة على الأرض قد تؤثر في مسار أي مفاوضات أو ترتيبات سياسية لاحقة.



