
أفكار لوقف الحرب: هدنة وقوات روسية في جنوب لبنان؟
أفكار لوقف الحرب: هدنة وقوات روسية في جنوب لبنان؟
حتى اللحظة، لا جواب رسمياً على المقترح اللبناني القاضي بالتفاوض المباشر مع إسرائيل. فقط تسريبات نقلتها “أكسيوس” يوم أمس حول تكليف رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو لوزير الشؤون الإستراتيجية السابق رون ديرمر إدارة الملف اللبناني والتواصل مع الإدارة الأميركية وإدارة المفاوضات مع الحكومة اللبنانية في حال بدئها خلال أسابيع.
إذن لا إعلان رسمياً، فقط تسريبات. ذلك يأتي بعد أن أرسلت الحكومة اللبنانية إشارة عبر رئاسة الجمهورية حول استعدادها للتفاوض نُقلت إلى تل أبيب من خلال قبرص. ومن دون أن يعود أي رد عليها، تمضي الدولة اللبنانية خلف فكرة التفاوض تحت النار، فيما تتعرض لاعتداء مستمر، في وقت يبدو فيه المعتدي غير معني بالتجاوب.
تقول الدولة اللبنانية إن ليس في وسعها فعل شيء لوقف العدوان الإسرائيلي المستمر على لبنان منذ أحد عشر يوماً، واحتمال الاجتياح البري للجنوب، سوى تقديم «Proposal» تفاوضي على النحو الذي حصل. أبعد من ذلك، تفيد الدولة في الكواليس، وفق ما أُبلغ به وسطاء، بأنها مستعدة لتقديم كل ما يلزم لوقف الاعتداءات. غير أن الخشية الكبرى تكمن في احتمال حصول تواصل رسمي لبناني مع تل أبيب من خارج التوافق الداخلي، ووفق الأدبيات التي عمّمها يوماً ما المبعوث الأميركي توم براك، تحت عنوان “إخراج لبنان وإنقاذه من الحرب”.
الغزو براً: قطع الشرايين
بعيداً عن ذلك، يستمر العدو الإسرائيلي في تنفيذ قراره بالغزو البري لجنوب لبنان. وقد تبلغت الدولة رسمياً أن مسألة الغزو البري باتت محسومة بذريعة أن الدولة غير قادرة على نزع أسلحة الحزب، وأن إسرائيل ستتولى المهمة بنفسها.
هذه المناخات لم تحسم بعد حدود العملية أو توقيتها، غير أن تقدير ذلك ليس صعباً بالنظر إلى خريطة الحركة العسكرية الإسرائيلية والتهديدات التي يطلقها العدو بالإخلاء، إضافة إلى ما يصدر في الإعلام الإسرائيلي عن إقامة منطقة عازلة خالية من السكان. ويذهب التقدير إلى أن التقدم البري سيحصل ضمن نطاق قرى النسقين الأول والثاني، جنوب الليطاني وما بين شمال النهر ونهر الأولي، بعمق يصل إلى نحو 15 كيلومتراً كمرحلة أولى.
ولهذه الغاية، بدأ الجيش الإسرائيلي تنفيذ ما يُعرف بالتمهيد الميداني وعمليات “الاستطلاع بالنار”، عبر غارات تشمل القرى الواقعة على خط التقدم، إضافة إلى تلك المصنفة خطوط إمداد محتملة للمقاومة. ويشمل ذلك الجسور والمعابر والطرقات التي تمثل خطوط ربط بين القرى أو شرايين حيوية، مثل جسر بلدة القنطرة في قضاء مرجعيون، الواصل بين وادي الحجير وعمق قرى الشريط المحتل سابقاً والذي تعرض للقصف، وجسر طير فلسيه الرابط بين مجموعة من القرى الخلفية الأساسية والذي تمّ تدميره.
ويتزامن ذلك مع فتح العدو ثلاث نقاط عمليات مركزية للتوغل. الأولى من بلدة الخيام باتجاه تل النحاس، حيث يحاول السيطرة ميدانياً على المدينة والوصول إلى التلة عسكرياً، بما يوفر نقاط عبور للانحدار غرباً نحو بلدة دير ميماس، ومن هناك إلى ضفاف نهر الليطاني عند ساتر يحمر – أرنون – الشقيف، وهي نقطة تبعد نحو 4 إلى 4.5 كيلومترات عن خط الحدود. ويبدو أن الهدف إنشاء خط إمداد لوجستي عبر مدينة الخيام باتجاه النهر، ثم التمدد من مجرى الليطاني نحو عمق قرى القطاع الشرقي.
أما خط التوغل الثاني فينطلق من بلدة رب ثلاثين باتجاه بلدة الطيبة، انطلاقاً من مشروع مياه الليطاني، حيث يسعى الجيش الإسرائيلي إلى السيطرة على البلدة الاستراتيجية لإقفال خط الليطاني – القنطرة – الحجير وإحكام السيطرة عليه.
في حين يحاول في الخط الثالث توفير ظروف التقدم من جهة تلة العويضة، أي على خط عديسة – الطيبة، باتجاه فرع آخر من نهر الليطاني أيضاً، بما يسمح له بالإمساك بخط قرى يمتد إلى دير سريان والقصير وعلمان والشومرية ومحيطها، وصولاً إلى بداية نطاق شمال الليطاني.
ويُظهر هذا العرض أن العدو يحاول في المرحلة الأولى السيطرة على قرى بعمق يتراوح بين 6 و8 كيلومترات وصولاً إلى مجرى النهر. غير أنه، ووفق المعلومات الميدانية، يواجه تعقيدات عسكرية كبيرة، أبرزها وجود مقاومة ملتحمة على مسافات قريبة ومتحصنة في العديد من الأودية، إضافة إلى امتلاكها عنصر الاشتباك الدفاعي عبر مجموعات متحصنة، وقدرتها على توظيف رشقات الإسناد الناري والصاروخي بواسطة السلاح الثابت والموجّه، ما يعني أن القتال ضمن هذا الخط لن يكون نزهة.
مقترح روسي لوقف إطلاق النار
في محاولة لمنع أي غزو بري، يعتقد كثيرون، ومن بينهم الأتراك، أنه قد يؤدي إلى انهيار لبنان، يجري تداول معلومات في بيروت، ضمن نطاق ضيق، عن دخول روسي على خط الوساطة لوقف إطلاق النار عبر هدنة مؤقتة.
ووفق المعلومات، مضى على هذا المسار نحو أسبوعين تقريباً. بدأ الأمر كنوع من الاستطلاع الدبلوماسي، ثم تبلور لاحقاً في شكل أفكار يجري العمل على إنضاجها.
ويُفهم أن الروس يطرحون تفاوضاً مباشراً بين الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية بعد التوصل إلى وقف إطلاق النار ثم هدنة، بحيث تبقى القوات في مواقعها. بعدها يبدأ تفاوض تتولاه الحكومة اللبنانية حصراً مع الإسرائيليين برعاية دولية، من دون تحديد مكان انعقاد المفاوضات.
وتشترط موسكو، وفق ما يتداول في بيروت، أن يخرج حزب الله بإعلان يمنح الدولة اللبنانية الحق الكامل في التفاوض من دون تدخل منه، مع ضمان عدم المس بوجوده أو بوجود أنصاره والحفاظ على قراهم.
أما المرحلة الثانية، فتتضمن، بحسب ما يجري تداوله، نزول قوات روسية إلى جنوب لبنان، حيث تنتشر في المواقع والنقاط التي أعلنت إسرائيل احتلالها، وتشرف على انسحاب إسرائيلي تدريجي من الجنوب، ربطاً بنتائج المفاوضات، بالتوازي مع انسحاب حزب الله من جنوب الليطاني تحت إشراف روسي باتجاه شماله. وهناك يُترك الأمر للدولة اللبنانية لتطبيق قرارات مجلس الوزراء وفق ما تعلنه حالياً.
للوهلة الأولى، يبدو أن هذا المقترح لا يستقيم مع حسابات حزب الله، الذي يسعى إلى تعديل ميزان القوى مع إسرائيل وإعادة ترتيب قواعد الاشتباك، والخروج من مأزق اتفاق 27 تشرين الثاني 2024 الذي كسر التوازن. وعلى الأرجح، لن يمر المقترح أيضاً لدى إسرائيل، التي تريد نزع السلاح بنفسها والتوسع في السيطرة على مزيد من الأراضي وضمها تحت ذرائع مختلفة، مثل إقامة منطقة أمنية أو عازلة.
كما تعمل إسرائيل، وفق ما يظهر من الوقائع الميدانية، على تنفيذ تغيير ديمغرافي واضح في الجنوب يتمثل بإبعاد المواطنين الشيعة عن حدودها. وفوق ذلك، فإن العقيدة القتالية الإسرائيلية، التي تعدلت بعد السابع من أكتوبر 2023، باتت تقوم على نقل المعارك إلى أرض العدو، ما يجعل قبولها بوجود قوات غير إسرائيلية على حدودها أمراً مستبعداً



