
العصف المأكول: حين أراد حزب الله تشبيه مصير العدو بجيش أبرهة
العصف المأكول: حين أراد حزب الله تشبيه مصير العدو بجيش أبرهة
مستعيناً بالآية ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾ من سورة الفيل في القرآن، أعلن حزب الله في بيان إطلاق عملية “العصف المأكول” تجاه إسرائيل، بعدما أعلنت إسرائيل عن إطلاق 100 صاروخ من لبنان في موجة جديدة عليها.
التسمية ليست بجديدة، سواء من حيث المدلول الديني أو لناحية عمليات المقاومة ضد إسرائيل. فـ”العصف المأكول” هو الاسم الذي أطلقته كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، على الحرب والمعركة العسكرية التي خاضتها ضد إسرائيل في قطاع غزة، والتي بدأت في 7 تموز 2014 واستمرت 51 يوماً، وتُعد أطول حرب بين الجانبين حتى ذلك الوقت. حينها أطلق الجيش الإسرائيلي على هذه العملية اسم “الجرف الصامد”، وشهدت على عمليات عسكرية بارزة للمقاومة، منها: عملية ناحل عوز: عملية إنزال خلف خطوط العدو نفذتها كتائب القسام. وعملية العاشر من رمضان: عمليات قنص وهجمات متتالية.
وفي مقابل استشهاد 1742 فلسطينياً حينها وإصابة الآلاف، أدت العملية إلى مقتل 67 جندياً إسرائيلياً و6 مدنيين، وإصابة المئات. لتنتهي المعركة في 26 آب 2014 باتفاق لوقف إطلاق النار.
التاريخ يعيد نفسه
واليوم، يعيد التاريخ نفسه، ما بين الـ2014 وطوفان الأقصى، اختار حزب الله أن يعيد التسمية إلى الواجهة. والعبارة المستوحاة من القرآن الكريم في سورة الفيل (الآية 5: “فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ”)، تعني لغوياً: العصف هو ورق الزرع اليابس أو التبن، أو القشور التي تغطي حبيبات السنبلة (مثل تبن القمح أو ورق الذرة)، والمأكول هو ما أكلته الدواب وداسته.
ومن حيث التفسير للآية بحسب المراجع الدينية من خلال البحث على الانترنت، فجاء أنه “جعل الله جيش أبرهة الذي حاول هدم الكعبة في نهاية المطاف كزرع جاف، ممزق، ومأكول، وقد تفرقت أوصالهم وهلكوا نتيجة الحجارة التي رمتهم بها الطير”.
وفي السياق القرآني لسورة الفيل: “تصف الآية عاقبة أصحاب الفيل (أبرهة الحبشي وجيشه) الذين جاؤوا من اليمن لتخريب الكعبة، فأهلكهم الله بإرسال طير أبابيل (جماعات متتابعة) ترميهم بحجارة من سجيل”. وفي المعنى المجازي، بحسب المراجع: “شبه الله تقطع أوصال جيش أبرهة وتفرق أجسادهم بالعقوبة التي نزلت بهم، بتفرق أجزاء أوراق الزرع اليابس الذي أكلته البهائم وراثته”.
مصير جيش أبرهة
وبالتالي، تحمل تسمية “العصف المأكول” التي يستخدمها حزب الله في عملياته الأخيرة ضد إسرائيل دلالة دينية ورمزية قوية مأخوذة من القرآن، انطلاقاً من واقعة هلاك جيش أبرهة الذي حاول هدم الكعبة، حيث انتهى بهم الأمر مدمَّرين بالكامل. وأراد من خلالها حزب الله تشبيه مصير العدو بمصير جيش أبرهة في القصة القرآنية، بالإضافة إلى رسالة ردع أنّ الضربات ستجعل الجيش الإسرائيلي ممزقاً أو محطماً.
وأبعد من ذلك، غالباً ما يعتمد حزب الله على مدار سنين المواجهة مع إسرائيل على تسميات دينية أو قرآنية، وكذلك خلال المناسبات الدينية. وهذا ليس عشوائياً، لا من حيث المضمون ولا التوقيت.
تأتي هذه العملية، بعد غارات مدمرة على الضاحية والجنوب والبقاع والمجازر التي أدت إلى سقوط شهداء، وبعد أقل من ساعة على رسالة وجهها مقاتلو حزب الله إلى الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم. ويريد حزب الله من إطلاق هذه العملية، بالإضافة إلى البعد العسكري، وتهديد المستوطنات ورفع سقف تحدي المواجهة، رفع المعنويات لدى المقاتلين والبيئة المؤيدة، وكذلك إعطاء الشعور بالدلالة العقائدية للمعركة، وبأن مصير العدو سيكون الهزيمة، كما ورد في القرآن.
كذلك عمل حزب الله منذ استخدامه أسلوب الدعاية المواجهة، من خلال خرائط الإنذار لسكان المستوطنات في شمال فلسطين، على أسلوب الحرب النفسية والإعلامية التي يستخدمها الجيش الإسرائيلي، وبالتالي استخدام تسمية قوية، اُستخدمت سابقاً من قبل حركة حماس، سترفع من منسوب الحرب الإعلامية، وتوجيه رسالة ردع إلى إسرائيل، وإعطاء رمزية للمواجهة تتجاوز الحدث العسكري نفسه.
إسرائيل تصعّد
في المقلب الأخر، صعدت إسرائيل من عملياتها ضد لبنان. غارات عنيفة على الضاحية والجنوب، بعد دقائق على إعلان حزب الله إطلاق عملية “العصف المأكول”، فيما نقل مسؤول إسرائيلي أنّ “الاتجاه هو توسيع العمليات في لبنان بشكل كبير”، قائلاً إنّه “لا يتم تحديد كيف سيتم ذلك أو ما إذا كان سيشمل عملية برية أيضًا، لكن يجري الاستعداد لكل الاحتمالات. لقد أثبتت دولة لبنان أنها ليست عاملًا قادرًا على كبح حزب الله، فهم لا يأخذونها بالحسبان”.
وكذلك نقلت القناة 12 عن مسؤول عن “اتجاه لتوسيع العمليات في لبنان بشكل كبير”، فيما تحدثت معلومات أن الاجتياح البري الإسرائيلي للمنطقة العازلة يرجح ان يبدأ خلال ساعات.



