
تصعيد إسرائيلي غير مسبوق على لبنان: مئات الضحايا وتحذيرات دولية من انزلاق خطير في ظل فشل عملية البحث عن رون أراد
تصعيد إسرائيلي غير مسبوق على لبنان: مئات الضحايا وتحذيرات دولية من انزلاق خطير في ظل فشل عملية البحث عن رون أراد
يتواصل التصعيد العسكري الإسرائيلي على لبنان بوتيرة عنيفة، مخلفًا دمارًا واسعًا في عدد من القرى والبلدات وسقوط مئات الضحايا بين قتيل وجريح، وسط مشهد سياسي داخلي يوصف بالهادئ مقارنة بحجم الكارثة. فقد ارتفع عدد الضحايا، حتى لحظة إعداد هذا التقرير، إلى 294 قتيلًا وأكثر من 1023 جريحًا نتيجة الغارات التي طالت مناطق مختلفة من البلاد، ما أدى إلى تدمير أحياء كاملة وتشريد عائلات بأكملها، في ظل نقص واضح في المواقف الرسمية الحازمة أو التحركات السياسية المواكبة لحجم التصعيد.
وفي خضم هذه التطورات، أطلق وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس تحذيرًا مباشرًا للرئيس اللبناني جوزاف عون، داعيًا السلطات اللبنانية إلى التحرك قبل أن تتخذ إسرائيل خطوات عسكرية أكثر شدة. وقد أثار هذا التصريح جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية، خصوصًا مع غياب رد رسمي قوي يعكس حجم التهديدات المتزايدة.
وعلى المستوى الدولي، برز اتصال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في محاولة جديدة لاحتواء الأزمة، إلا أن هذه الجهود لم تترجم حتى الآن إلى مؤشرات فعلية على اقتراب وقف التصعيد. وتشير المعطيات الدبلوماسية إلى أن المبادرات السياسية تواجه تعقيدات كبيرة، في ظل إصرار إسرائيل على مواصلة عملياتها العسكرية واستمرار التوتر الإقليمي.
وفي السياق نفسه، أفادت مصادر سياسية بأن الولايات المتحدة أوكلت إلى سفيرها لدى لبنان ميشال عيسى مهمة التنسيق المباشر مع المسؤولين اللبنانيين، بالتوازي مع التواصل مع السفارة الأميركية في إسرائيل، في إطار متابعة التطورات الميدانية. وبحسب المعلومات المتداولة، فإن واشنطن لا تتوقع وقف العمليات العسكرية قريبًا، في ظل توجه إسرائيلي نحو استهداف البنية التنظيمية والعسكرية والمالية المرتبطة بـحزب الله.
في المقابل، ارتفعت حدة الخطاب الأميركي بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي لوّح بإمكانية توجيه ضربات قاسية إلى إيران، بالتزامن مع مطالبته شركات تصنيع السلاح بزيادة الإنتاج لتلبية احتياجات إسرائيل العسكرية، في خطوة يرى مراقبون أنها قد تسهم في توسيع رقعة الصراع في المنطقة.
ميدانيًا، استحوذت عملية إنزال إسرائيلية في بلدة النبي شيت في البقاع على اهتمام واسع، بعدما نفذتها قوة خاصة وسط قصف مكثف طال المنطقة. وتشير المعلومات إلى أن العملية كانت مرتبطة بمحاولة العثور على رفات الطيار الإسرائيلي المفقود رون أراد، الذي فُقد في لبنان قبل نحو أربعة عقود. إلا أن العملية لم تحقق النتائج المرجوة، بحسب ما أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي أكد استمرار الجهود للعثور على مصير أراد واستعادة رفاته.
وبحسب الرواية الإسرائيلية، نفذت القوات الخاصة المهمة خلال الليل في محاولة لتحديد موقع الرفات، إلا أن العملية انتهت دون تحقيق الهدف، رغم تأكيد تل أبيب أن ملف الأسرى والمفقودين يبقى أولوية مطلقة بالنسبة لها.
دوليًا، حذرت المنسقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان جينين هينيس بلاسخارت من خطورة استمرار التصعيد، مشيرة إلى أن البلاد تقف أمام خيارين واضحين: إما الانزلاق نحو مزيد من الدمار، أو التوجه إلى ضبط النفس والعودة إلى مسار الحوار. وأكدت أن استمرار الأعمال العدائية يهدد بتفاقم المعاناة الإنسانية، في ظل ارتفاع أعداد النازحين وتضرر البنية التحتية.
وفي موازاة ذلك، يواصل الرئيس اللبناني جوزاف عون متابعة التطورات الأمنية مع قيادة الجيش، حيث اطلع من قائد الجيش رودولف هيكل على تفاصيل الغارات التي طالت مناطق عدة، إضافة إلى المعطيات المرتبطة بالعملية العسكرية التي شهدتها بلدة النبي شيت. كما تلقى اتصالًا من ملك إسبانيا فيليبي السادس الذي أكد تضامن بلاده مع لبنان في ظل الظروف الصعبة.
حكوميًا، عقد رئيس مجلس الوزراء نواف سلام اجتماعًا طارئًا في السراي الحكومي لبحث تداعيات موجات النزوح الناتجة عن الغارات، حيث جرى التأكيد على ضرورة توفير مراكز إيواء للنازحين وضمان عدم بقاء أي عائلة من دون مأوى. وتم وضع عدد من المدارس والمنشآت العامة في تصرف المحافظين لاستخدامها كمراكز إيواء مؤقتة، فيما جرى تجهيز المدينة الرياضية في بيروت لاستقبال أعداد إضافية من النازحين.
كما أكدت الجهات المعنية أن مراكز الإيواء في شمال لبنان باتت جاهزة بالكامل لاستقبال المزيد من النازحين، مع العمل على تأمين وسائل نقل من بيروت إلى تلك المناطق، إلى جانب ضمان تقديم الخدمات الصحية للمتضررين على نفقة وزارة الصحة.
من جهتها، وجهت وزارة الخارجية اللبنانية تعميمًا إلى البعثات الدبلوماسية في الخارج، طالبة التواصل مع الجهات الدولية لتأمين مساعدات إنسانية عاجلة لنحو 200 ألف نازح لبناني توزعوا على مراكز إيواء في مختلف المناطق نتيجة استمرار العمليات العسكرية.
وفي السياق الأمني، عقد قائد الجيش اجتماعًا استثنائيًا في اليرزة لبحث التطورات الميدانية، لا سيما في الجنوب والبقاع وعلى الحدود اللبنانية السورية، حيث شدد على ضرورة الحفاظ على استقرار البلاد وتعزيز انتشار الوحدات العسكرية لمواكبة حركة النزوح وتأمين المناطق الحساسة.
ويأتي هذا التحرك العسكري في ظل ظروف دقيقة يعيشها لبنان، حيث يجد الجيش نفسه في مواجهة تحديات متعددة، تشمل تداعيات الحرب، والضغوط الناتجة عن النزوح، إضافة إلى تداعيات الانقسام السياسي الداخلي. وفي ظل هذا الواقع، تبدو المؤسسة العسكرية اليوم إحدى الركائز الأساسية التي تعكس حضور الدولة في لحظة توصف بأنها من أكثر المراحل حساسية في تاريخ البلاد الحديث.



