
تحذير إسرائيلي: إهمال إعادة إعمار غزة قد يفتح الباب أمام «داعش» جديد
تحذير إسرائيلي: إهمال إعادة إعمار غزة قد يفتح الباب أمام «داعش» جديد
حذّر كاتب ومحلل إسرائيلي من أن العودة إلى سياسة تجاهل قطاع غزة بعد الحرب قد تحمل تداعيات أمنية خطيرة على إسرائيل، مشيرًا إلى أن إهمال إعادة الإعمار ومعالجة الواقع المعيشي قد يؤدي إلى نشوء تهديدات أشد تطرفًا، شبيهة بتنظيم «داعش»، ويعيد إنتاج سيناريوهات كارثية سبق أن دفعت المنطقة ثمنها.
ويرى الكاتب أن ملامح السلوك السياسي والإعلامي في إسرائيل بدأت تعود تدريجيًا إلى ما كانت عليه قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر، حيث تراجعت القضية الفلسطينية مجددًا إلى هامش الاهتمام العام، في مقابل انشغال الإعلام والرأي العام بملفات داخلية وإقليمية أخرى، ما يعكس، برأيه، خللًا متكررًا في ترتيب الأولويات.
ويستحضر الكاتب مثالًا مفصليًا من أيلول/سبتمبر 2023، حين نفّذت حركة «حماس» مناورة عسكرية حاكت اقتحام مستوطنات وأسر جنود، في وقت كانت فيه الساحة الإسرائيلية غارقة في صراع سياسي وقضائي داخلي. يومها، مرّ الحدث الأمني من دون التوقف عند دلالاته، في نموذج اعتبره الكاتب تجسيدًا لسياسة إنكار التحذيرات والاكتفاء بما يرضي الجمهور، لا بما يتطلبه الأمن القومي.
وبحسب التحليل، يتكرر هذا النمط اليوم، إذ تتجه الأنظار إلى أزمات أخرى، بينما يُترك قطاع غزة خارج دائرة الاهتمام، رغم أن تجاهل المؤشرات المبكرة في السابق أدى إلى نتائج معروفة. ويؤكد الكاتب أن تجاهل غزة بعد كل جولة قتال بات نهجًا ثابتًا، يقوم على إنهاء العمليات العسكرية والانسحاب من دون معالجة جذرية، ما يسمح بعودة الأمور إلى نقطة الصفر.
ويشير إلى أن المستوى السياسي الإسرائيلي، قبل السابع من أكتوبر، انشغل بصراعاته الداخلية وترك الملف الغزّي للجيش، مع افتراض أن التهديد يمكن احتواؤه أو أن المشكلة ستتلاشى من تلقاء نفسها. هذا الاستخفاف، وفق الكاتب، أتاح للخصم استغلال حالة اللامبالاة، وتعزيز قدراته، بانتظار اللحظة المناسبة للانقضاض.
ويضيف أن الوعود المتكررة بتجريد «حماس» من السلاح وتحقيق نصر كامل ليست جديدة، إذ رُفعت في جولات سابقة ثم تلاشت مع الوقت، من دون ترجمتها إلى استراتيجية طويلة الأمد. ويرى أن غزة تحتاج إلى معالجة حاسمة ومتكاملة، لا إلى حلول جزئية، معتبرًا أن أحد أسباب الفشل المتكرر هو الإرهاق الذي يصيب المؤسسة العسكرية والمجتمع والقيادة السياسية معًا، ما يدفع الجميع إلى البحث عن مخرج سريع بدل استكمال المهمة.
ورغم إقراره بتعقيد أي حسم عسكري، يشدد الكاتب على أن غياب رؤية سياسية مرافقة يجعل النتائج مؤقتة وهشة. ويحذر من أن الفراغ قد يُنتج واقعًا أكثر تطرفًا، حيث يمكن أن تحل جماعات أشد تشددًا محل «حماس»، في ظل خشية الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة من الانخراط في أي مسار سياسي شامل مع الفلسطينيين.
كما يلفت إلى أن قيادة «حماس» بدورها تحاول استعادة نموذج الحكم غير المباشر، مستفيدة من الضغط الإنساني على المجتمع الدولي، على غرار تجربة حزب الله في لبنان، عبر المطالبة بتسهيلات وفتح المعابر وتوسيع عمليات الإعمار. ويعتبر أن هذه المطالب، رغم مشروعيتها الإنسانية، تُستخدم في كثير من الأحيان لخدمة بنية الحركة التنظيمية والعسكرية، إذ إن إعادة الإعمار لا تقتصر على بناء المنازل، بل تشمل أيضًا إعادة ترميم البنية التحتية التابعة لها.
ويخلص الكاتب إلى أن النتيجة تتكرر في كل مرة: إنجاز معظم المهمة عسكريًا، ثم الانسحاب من دون ضمان عدم تجدد التهديد. ويشير إلى أن الجهود الدولية المطروحة حاليًا لإعادة إعمار غزة، رغم ما تفرضه من قيود على القرار الإسرائيلي، تصب في نهاية المطاف في مصلحة إسرائيل نفسها، محذرًا من أن ترك القطاع مدمّرًا وفقيرًا قد يؤدي إلى نمو أخطر أشكال التطرف.
وفي ختام تحليله، يؤكد الكاتب أن إضعاف «حماس» حتى الانهيار لا يكفي بحد ذاته، ما لم يترافق مع إعادة بناء الحياة المدنية وتحقيق حد أدنى من الاستقرار. فالمجتمعات المهمّشة، بحسب تعبيره، تنتج دائمًا حركات أكثر راديكالية. ويرى أن هذا المسار يتطلب قرارًا سياسيًا واضحًا، وصبرًا طويل الأمد، وتعاونًا دوليًا، مؤكدًا أن مهمة القادة لا تقتصر على إدارة الحروب، بل على منع تكرارها، وهو المعيار الحقيقي الذي سيُحاسَبون على أساسه.



