مقالات

بوتين يعود إلى دمشق بعد عام على سقوط الأسد: براغماتية سورية تُبقي موسكو في المعادلة

بوتين يعود إلى دمشق بعد عام على سقوط الأسد: براغماتية سورية تُبقي موسكو في المعادلة

في الذكرى السنوية الأولى لسقوط بشار الأسد وفراره إلى روسيا، ساد في الإعلام الغربي توصيف مفاده أن سوريا دخلت عامًا جديدًا من دون الأسد ومن دون فلاديمير بوتين. غير أن الوقائع على الأرض سرعان ما ناقضت هذا الانطباع، إذ لم ينتظر الرئيس الروسي سوى أسابيع قليلة قبل أن يرسل ممثلين عنه إلى دمشق في مهمة ذات هدفين واضحين: نفي ربط موسكو بهزيمة الأسد، ومحاولة الحفاظ على الوجود العسكري الروسي عبر قاعدتي طرطوس وحميميم.

 

بالنسبة إلى الكرملين، لم يكن الهدف الأول أقل أهمية من الثاني. فمنذ اللحظات الأولى لانهيار نظام الأسد، حرص بوتين وإعلامه على التأكيد أن روسيا لم تُهزم في سوريا، وأن قواتها لم تكن مكلفة القتال بدل الجيش السوري. هذا الموقف عبّر عنه بوتين بوضوح خلال مؤتمره الصحافي السنوي في 19 كانون الأول/ديسمبر، حين دخل في سجال مباشر مع صحافي من قناة NBC الأميركية، رافضًا توصيف ما جرى في سوريا على أنه هزيمة روسية، ومؤكدًا أن موسكو حققت أهدافها الأساسية عبر منع قيام “جيب إرهابي” على حد تعبيره.

 

وفي معرض تبريره لعدم تدخل القوات الروسية إلى جانب جيش الأسد، أشار بوتين إلى أن مدينة حلب سقطت بيد بضع مئات من المقاتلين في مواجهة عشرات الآلاف من عناصر القوات النظامية والفصائل المتحالفة معها، الذين انسحبوا من دون قتال، معتبرًا أن هذا السيناريو تكرر في معظم المناطق السورية مع استثناءات محدودة.

 

سوريا التي خرج منها الأسد كانت منهكة إنسانيًا واقتصاديًا وعمرانيًا، وهو ما ضيّق هامش الخيارات أمام السلطات الجديدة. في هذا السياق، فضّلت دمشق التعاطي ببراغماتية مع المساعي الروسية للحفاظ على بعض المكاسب التي حققها الكرملين في عهد الأسد، من دون الدخول في مواجهة مباشرة مع موسكو. وذهب هذا النهج حدّ تفادي إحراج بوتين بالمطالبة بتسليم الأسد خلال زيارة الشرع إلى الكرملين، بحسب ما أوردته تقارير إعلامية، في تباين واضح مع الحزم الذي أبدته دمشق في قطع علاقاتها مع إيران.

 

ويرى خبراء غربيون أن انهيار نظام الأسد شكّل ضربة استراتيجية قاسية للنفوذ الروسي في المنطقة، إذ كان هذا النظام الركيزة الأساسية لعودة موسكو إلى الشرق الأوسط. ومع ذلك، يدرك هؤلاء الخبراء في الوقت نفسه دوافع البراغماتية السورية في الإبقاء على قنوات التواصل مع الكرملين، معتبرين أن تساؤلات الإعلام الغربي عن سرعة عودة بوتين إلى دمشق تهدف إلى تفسير محاولات موسكو استعادة نفوذها المتراجع، لا إلى تبرير هذا المسار.

 

وتشير غالبية التغطيات الإعلامية في الذكرى الأولى لسقوط الأسد إلى نجاحات خارجية حققتها القيادة السورية الجديدة، في مقابل إخفاقات داخلية واضحة، وسط تصاعد القلق من طابع السلطة الجديدة وإمكانية انزلاقها نحو حكم ذي نزعة إسلامية أو سلطوية.

 

وفي هذا الإطار، تساءل موقع الخدمة الروسية في إذاعة فرنسا الدولية عن أسباب عدم قطع دمشق علاقاتها مع موسكو، لافتًا إلى أن “سوريا الجديدة” وسّعت علاقاتها الدبلوماسية من دون التخلي عن التواصل مع الكرملين، الذي لا يزال يحتفظ بقاعدتيه العسكريتين ويؤوي الرئيس السوري السابق. ونقل الموقع عن خبراء أن هذا الخيار يعكس مستوى عاليًا من البراغماتية، خصوصًا في ظل مؤشرات إلى مفاوضات غير معلنة سبقت سقوط الأسد، هدفت إلى ضمان حياد روسيا مقابل الحفاظ على أمن قواعدها.

 

ويشير محللون إلى أن عقود إيجار القاعدتين الروسيتين لم تُمدد رسميًا، لكنها لم تُلغَ أيضًا، في خطوة تفسَّر برغبة دمشق في استخدام الوجود الروسي كعامل توازن يحدّ من اندفاعات إسرائيل جنوبًا وتركيا شمالًا. ومع أن النفوذ الروسي تراجع مقارنة بمرحلة الأسد، إلا أن استئناف الرحلات الجوية إلى قاعدة حميميم يؤكد استمرار الحضور العسكري الروسي.

 

من جهتها، ترى الخبيرة الأميركية في شؤون السياسة الدولية حنة نوت أن امتناع دمشق عن قطع العلاقات مع موسكو يعود إلى عدة عوامل، أبرزها موقع روسيا الدائم في مجلس الأمن وقدرتها على تقديم دعم سياسي لسوريا، إضافة إلى الشراكة الاقتصادية القائمة، من طباعة العملة إلى تزويد البلاد بالمحروقات والحبوب. كما يمنح التعاون مع روسيا دمشق هامش مناورة أوسع في علاقاتها مع الولايات المتحدة وتركيا ودول الخليج.

 

وبرغم كل ذلك، تؤكد نوت أن الشراكة مع موسكو ليست أولوية قصوى بالنسبة إلى سوريا الجديدة، خصوصًا أن روسيا غير قادرة على توفير الاستثمارات الضخمة التي تحتاجها البلاد في مرحلة إعادة الإعمار، ما يجعل عودة بوتين السريعة إلى دمشق أقرب إلى محاولة للحد من خسائره الاستراتيجية منها إلى استعادة نفوذه السابق.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce