
لبنان أمام منعطف جديد: هل يستعيد المسيحيون دورهم في رسم مستقبل الدولة؟
لبنان أمام منعطف جديد: هل يستعيد المسيحيون دورهم في رسم مستقبل الدولة؟
تحمل الزيارة الأخيرة للبابا إلى بيروت ما يتجاوز الطابع الروحي المعتاد. فقد كشفت، وسط الأزمات التي تعصف بلبنان، أن البلاد تقف أمام لحظة مراجعة عميقة تتعلق بالوجود والهوية والدور. بدا المشهد أكثر من احتفال ديني، وأقرب إلى سؤال مصيري: ماذا يبقى من وطن حين تتفكك ركائزه السياسية؟ وكيف تستطيع جماعة أن تحافظ على معناها حين تهتز هويتها؟
لطالما كان لبنان بلدًا يتشكل باستمرار، يولد من أزماته كما لو أن السقوط جزء من عملية نضجه. وطنٌ يعيش بين ذاكرة ما كان واحتمالات ما قد يكون، بين خوف الجماعات ورغبتها في البقاء. وفي هذا المسار، شكّل حضور المسيحيين تاريخيًا بوصلة معنوية تشير إلى فكرة الدولة والحرية والانفتاح، أكثر مما تشير إلى حدود جغرافية. لم يكن دورهم وليد ظرف سياسي، بل خيارًا وجوديًا بأن يحملوا مشروع لبنان قبل رسم خرائطه. أرادوا وطنًا يقوم على أولوية الإنسان والعقل والحرية، وعلى مؤسسات تربوية وثقافية أتاحت لهم لعب دور العبور بين الداخل والعالم.
لكن السياسة لا تكافئ من يتجاهل قواعدها. فقد اختبر المسيحيون في السنوات الأخيرة أثمان القوة عندما تتحول عبئًا، والخوف عندما يفرض حسابات قصيرة المدى. فالتراجع عن المشروع الوطني، والانكفاء خلف حدود الطائفة، أضعفا قدرتهم على التأثير وعلى حماية الدور الذي بنوه عبر عقود. وبين التحالفات المتقلبة والرهانات المتسرّعة، تراجع النفوذ وتراجعت معه الفكرة.
التحدي اليوم لا يرتبط بما فقده المسيحيون، بل بما يستطيعون أن يعيدوا صياغته. فالأدوار لا تختفي بل تتبدل، ولا تعود كما كانت بل تُعاد قراءتها وفق حاجات اللحظة. والمسيحيون ما زالوا قادرين على وصل ما انقطع بين الجماعات، لا باعتبارهم طائفة تبحث عن حصتها، بل قوة خبرت مفهوم الدولة كملاذ يحمي الجميع. بإمكانهم الدفع نحو إعادة استنهاض الدور الطبيعي للبنان كبيئة تستمد قوتها من تنوعها، وبناء شراكات وطنية عابرة للطوائف، لأن المستقبل يصنع بين الجماعات لا داخل كل جماعة وحدها.
لبنان الذي لا يكتمل، والذي يولد من جديد كلما انكسر، يحتاج اليوم إلى من يجمع بين عمق الفكرة وواقعية السياسة، بين الهواجس الوجودية ومتطلبات الدولة. والمسيحيون، الذين كتبوا الفصل الأول من حكاية الوطن، قادرون أيضًا على المشاركة في كتابة بدايته الجديدة.



