مقالات

لماذا تلتزم روسيا الصمت في حرب إيران؟ تحليل يكشف حدود نفوذ موسكو ومكاسبها الخفية

لماذا تلتزم روسيا الصمت في حرب إيران؟ تحليل يكشف حدود نفوذ موسكو ومكاسبها الخفية

تطرح التطورات العسكرية في الشرق الأوسط تساؤلات متزايدة حول موقف روسيا من التصعيد الذي تتعرض له إيران، خصوصاً في ظل العلاقة الاستراتيجية التي تربط البلدين منذ سنوات. ويشير تحليل نشرته مجلة فورين أفيرز إلى أن موسكو تبدو في موقع المتفرج على الأحداث، رغم الشراكة السياسية والعسكرية التي عززها الجانبان في السنوات الأخيرة.

وخلال العام الماضي، وقّع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان اتفاقية شراكة استراتيجية شاملة تعهد فيها الطرفان بمواجهة أي تدخل خارجي في شؤونهما الداخلية والخارجية. وقد اعتُبرت هذه الاتفاقية آنذاك خطوة كبيرة في مسار تعزيز العلاقات بين موسكو وطهران.

لكن مع اندلاع الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في أواخر شباط، اكتفت موسكو بإصدار بيانات دبلوماسية تدعو إلى خفض التصعيد واستئناف المسار السياسي، من دون أن تتخذ خطوات عملية لدعم حليفتها.

ويرى التحليل أن هذا السلوك يعكس نمطاً متكرراً في السياسة الروسية، حيث تكتفي موسكو غالباً بإصدار مواقف سياسية قوية دون تدخل مباشر عندما يواجه شركاؤها أزمات عسكرية. ويستشهد المقال بعدة سوابق، بينها عدم تدخل روسيا في الصراع بين أرمينيا وأذربيجان عام 2023، ما سمح لباكو باستعادة السيطرة على إقليم ناغورنو كاراباخ.

كما يشير إلى أن موسكو لم تتمكن لاحقاً من منع سقوط نظام بشار الأسد في دمشق، ولا من حماية حليفها في أميركا اللاتينية نيكولاس مادورو، ما يعكس حدود قدرة روسيا على التأثير في مسارات الصراعات الدولية.

ورغم ذلك، يوضح التحليل أن روسيا غالباً ما تحاول تحويل إخفاقاتها الاستراتيجية إلى مكاسب تكتيكية. فمع استمرار التوترات في الشرق الأوسط، يُتوقع أن ترتفع أسعار الطاقة العالمية، وهو ما قد يساهم في زيادة إيرادات موسكو النفطية والغازية ويساعدها على تقليص الضغوط المالية الناتجة عن الحرب في أوكرانيا.

كما أن التصعيد قد يدفع الصين إلى زيادة اعتمادها على النفط والغاز الروسيين، في حين قد تستنزف العمليات العسكرية الموارد الأميركية، ما قد يحدّ من قدرة واشنطن على توسيع دعمها العسكري لكييف.

وتعود جذور التعاون الروسي الإيراني إلى مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، عندما سعت موسكو إلى تسويق فائض تقنياتها العسكرية والنووية المدنية، فيما كانت إيران بحاجة إلى إعادة بناء قدراتها العسكرية بعد حربها الطويلة مع العراق.

وخلال تلك الفترة، زودت روسيا إيران بمنظومات عسكرية متنوعة شملت مقاتلات ميغ-29 وطائرات سو-24 وغواصات من فئة كيلو ودبابات تي-72، إضافة إلى أنظمة دفاع جوي مثل إس-200 وإس-300. إلا أن هذه الصفقات بقيت محدودة ومتقطعة، ولم تشمل أحدث الأنظمة الروسية مثل إس-400 أو الطائرات المقاتلة الأكثر تطوراً.

في الوقت نفسه، حافظت موسكو على علاقات أمنية مع خصوم إيران في المنطقة، بما في ذلك إسرائيل ومصر ودول الخليج، الأمر الذي أثار استياء داخل طهران، خصوصاً عندما علّقت روسيا عام 2010 تسليم نظام إس-300 استجابة لضغوط غربية.

ومع اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، شهدت العلاقة بين البلدين تحولاً ملحوظاً، إذ أصبحت إيران مورداً مهماً للأسلحة بالنسبة لروسيا، خصوصاً في مجال الطائرات المسيّرة. وفي المقابل، زودت موسكو طهران بمعدات عسكرية مختلفة، بينها طائرات التدريب ياك-130 ومروحيات هجومية ومركبات مدرعة.

كما استفادت روسيا من خبرة إيران الطويلة في الالتفاف على العقوبات الغربية، حيث اعتمدت موسكو على شبكات تجارية ومالية مشابهة لتلك التي طورتها طهران خلال سنوات العقوبات.

ومع ذلك، يوضح التحليل أن قدرة روسيا على دعم إيران عسكرياً تبقى محدودة. فموسكو تحتاج إلى معظم أسلحتها المتطورة في حربها بأوكرانيا، كما أن تسليم أنظمة دفاع جوي متقدمة لطهران يتطلب وقتاً طويلاً للتدريب والتشغيل.

إضافة إلى ذلك، تحاول روسيا الحفاظ على توازن علاقاتها في الشرق الأوسط، إذ ترتبط بعلاقات اقتصادية واستراتيجية مهمة مع دول الخليج، لا سيما السعودية والإمارات العربية المتحدة، اللتين تعدان شريكين أساسيين لموسكو في سوق الطاقة وتحالف أوبك+.

ورغم غياب الدعم العسكري المباشر لإيران، قد تستفيد روسيا من تداعيات الحرب الاقتصادية. فارتفاع أسعار النفط نتيجة التوترات في المنطقة يمنح الاقتصاد الروسي دفعة إضافية، إذ تشير تقديرات إلى أن كل زيادة قدرها عشرة دولارات في سعر البرميل قد تضيف نحو 95 مليون دولار يومياً إلى الإيرادات الروسية.

كما أن أي اضطراب طويل الأمد في إمدادات الطاقة من الخليج قد يعزز فرص روسيا في توسيع صادراتها النفطية والغازية، خصوصاً إلى الأسواق الآسيوية.

وبذلك، يخلص التحليل إلى أن الحرب كشفت حدود نفوذ موسكو كقوة عالمية قادرة على حماية حلفائها، لكنها في المقابل أظهرت قدرة روسيا على الاستفادة من التحولات الجيوسياسية وتحويل الأزمات الدولية إلى فرص اقتصادية وسياسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce