مقالات

سيمون كرم: استقلاليٌّ في مواجهة الضغوط والمحاور

سيمون كرم: استقلاليٌّ في مواجهة الضغوط والمحاور

يبرز اسم السفير السابق سيمون كرم اليوم كأحد أبرز الوجوه الدبلوماسية التي تعود إلى الواجهة في لحظة سياسية حساسة، إذ يتولى تمثيل لبنان في لجنة «الميكانيزم» مستنداً إلى رؤية واضحة وثوابت وطنية صلبة، بعيداً عن الاصطفافات التقليدية. ويأتي هذا الدور في مرحلة دقيقة تحاول فيها الدولة اللبنانية تثبيت خيارها الدبلوماسي باعتباره الممر الوحيد المتاح ضمن موازين القوى الداخلية والخارجية.

 

يرتكز موقف كرم على قناعة راسخة بأن أي تسوية لا يمكن أن تقوم إلا عبر احترام السيادة وتنفيذ القرارات الدولية، مع التأكيد أن اتفاقية الهدنة تشكّل المدخل الطبيعي لاستعادة الاستقرار، في ظل ميزان القوة القائم. وفي مقاربته للتفاوض، يرفض كرم مغامرات تُقحم البلاد في مواجهات غير محسوبة، محمّلاً أصحاب الخطاب التصعيدي مسؤولية ما وصفه بـ«الخراب العميم» الذي أصاب لبنان نتيجة سياسات الغلبة وتكرار تجارب حمّلت البلاد أثماناً باهظة.

 

ويحمل كرم تاريخاً يقول الكثير عن تمسّكه بالاستقلالية، فقد رفض حين كان محافظاً للبقاع إملاءات الوصاية السورية، واستقال من منصبه سفيراً للبنان في واشنطن عام 1992 اعتراضاً على ما اعتبره «موقع شاهد زور» في مرحلة كانت السياسة الخارجية خاضعة لمحاور غير لبنانية. وهو اليوم يدخل إلى لجنة «الميكانيزم» بمنطق واضح: لا تنازل عن السيادة ولا عن حقوق لبنان، وفي المقابل لا أوهام خارج سلطة الدولة.

 

ولم ينخرط كرم يوماً في الاصطفافات الطائفية أو السياسية، رغم محاولات عديدة لدفعه إلى الترشح للانتخابات النيابية. كان سيادياً بلا انتماء إلى فريق محدد، مقرباً من شخصيات إصلاحية واستقلالية من طوائف متعددة، ومن أبرزها رفاق «انتفاضة الاستقلال» ومفكرو لقاء قرنة شهوان والمنبر الديمقراطي، قبل أن تتفرق صفوف هذا التيار بعد سلسلة اغتيالات طالت رموزه.

 

وعاد كرم إلى الضوء أخيراً عبر كلمة ألقاها في ذكرى غياب المفكر حبيب صادق، أثارت جدلاً واسعاً بعدما انتقد خلالها تداعيات «حرب الإسناد» وما خلّفته من مآسٍ، محذراً من أن نتائج إنهائها جاءت «أفدح من الحرب نفسها». وأشار إلى أن من أذعنوا لوقف إطلاق نار أحادي مع إسرائيل عادوا ليهاجموا الدولة وخيارها الدبلوماسي والجيش والقوات الدولية، في مفارقة تعكس أزمة الخطاب السياسي في البلاد.

 

ومع دخوله لجنة «الميكانيزم» كممثل مدني، يحمل كرم أدواته الوحيدة: خبرة طويلة، مواقف ثابتة، وصلابة في الدفاع عن المصالح الوطنية، في لحظة تفرض على لبنان مقاربة دقيقة تجمع بين حماية السيادة وتجنّب الانجرار إلى مواجهة لا طاقة له عليها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce