مقالات

لبنان بين المركزية واللامركزية: دولة معلّقة على أزمات متجدّدة

لبنان بين المركزية واللامركزية: دولة معلّقة على أزمات متجدّدة

يجد لبنان نفسه اليوم في قلب أزمة وجودية متشابكة، وسط آمال معلّقة بقيام دولة المواطنة العادلة والسيّدة والمستقلّة. فالدستور معطَّل، والسيادة منقوصة، والإصلاحات مجمّدة، بينما يتقدّم السؤال الأكثر إلحاحًا: أين الدولة بين المركزية واللامركزية؟

 

منذ إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920، اعتمد النظام المركزي على النموذج الفرنسي، بهدف الحفاظ على وحدة الدولة ومنع تشتّت القرار. غير أنّ التجربة اللبنانية أظهرت أن هذا النموذج تحوّل إلى عبء ثقيل؛ إذ ترهّلت المؤسسات، تفشّت البيروقراطية، تكرّس الفساد، وتحولت الخدمات العامة إلى رهينة المحسوبيات والتوازنات الطائفية. ومع الانهيار المالي بعد 2019، انكشفت هشاشة الدولة المركزية بالكامل، فباتت عاجزة عن أداء أبسط وظائفها، فيما تصدّعت السيادة وتآكل الدستور وتعرّض القضاء للاستباحة.

 

في مواجهة هذا العجز، برزت “لامركزية الأمر الواقع”، حيث اضطلعت البلديات واتحاداتها، مدعومة بالمجتمع المدني والمنظمات الدولية، بدور بديل في إدارة الخدمات. لكنّ هذه اللامركزية بقيت مشوّهة وغير مؤطّرة بقانون واضح أو موارد كافية. والمفارقة أن اتفاق الطائف، الذي نصّ بوضوح على “اللامركزية الإدارية الموسّعة” كجزء من الإصلاحات الدستورية، لا يزال بعد ثلاثة عقود بندًا معلّقًا وموضع تجاذب.

 

أمام هذا المشهد، يقف المواطن وحيدًا، متروكًا لمبادرات فردية أو لشبكات حزبية أو لمساعدات خارجية، ما يعمّق فقدان الثقة بالدولة ويعزّز فرضية “اللاّدولة”. ولم يعد السؤال ما إذا كان لبنان يحتاج إلى مركزية أو لامركزية، بل كيف يمكن بناء صيغة متوازنة: مركزية تضبط السيادة والسياسة العامة، ولا مركزية خدماتية تمنح البلديات والمجالس المحلية القدرة على إدارة شؤونها بفعالية وشفافية.

 

هذه الصيغة ليست مستحيلة، فقد نجحت دول مثل فرنسا وإسبانيا وإيطاليا في التوفيق بين الدولة المركزية والسلطات المحلية عبر هياكل منتخبة وآليات تمويل واضحة ورقابة تضمن التوازن. وفي لبنان، يبقى تطبيق اللامركزية الإدارية الموسعة وفق ما نصّ عليه الطائف مدخلًا لإعادة تكوين الدولة، شرط أن يسبقه حسم ملف السلاح غير الشرعي والانتقال الجدي إلى الإصلاحات الدستورية، وفي مقدمتها المادة 95.

 

بين المركزية واللامركزية، يبقى غياب الدولة المعضلة الكبرى. فالدولة ليست هياكل إدارية فحسب، بل شعور المواطن بالانتماء والعدالة والثقة. وما لم تُترجم هذه المفاهيم إلى واقع ملموس، ستظل اللحظات التاريخية تضيع، والفرص تُهدر، والدولة أسيرة أزماتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce