
دمشق بين التهجير والعزلة: أحياء تتحوّل إلى ثكنات صامتة
دمشق بين التهجير والعزلة: أحياء تتحوّل إلى ثكنات صامتة
لم يعد مشهد سيارات “البيك آب” المحمّلة بقطع الأثاث الغريب عن أحياء دمشق. ففي حي المِزّة، وقف رجل ثمانيني يودّع منزله بعينين مثقلتين بالذاكرة، مراقباً ترحيل عائلة أخرى. كلمات قليلة خرجت من فمه لتختصر عقوداً من سياسات الإخلاء: “من أيّام الأسد الأب لهلأ ما وقفت قرارات الترحيل. المِزّة ما بتشبه حالها زمان”.
ذلك الترحيل لم يكن حدثاً عابراً، بل امتداداً لمرسوم رئاسي صدر عام 2012 قضى بهدم المنطقة لإقامة مشاريع عمرانية ضخمة حملت أسماء براقة مثل “ماروتا سيتي” و”باسيليا سيتي”. لكن ما حدث عملياً كان تغييراً ديموغرافياً عميقاً أفرغ الحي من سكانه الأصليين، وفتح الطريق أمام بناء “حزام أمني سكاني” يخدم النظام سياسياً وأمنياً.
ولم يتوقف المشهد عند المِزّة. فمع الانفجار الذي ضرب حافلة مبيت عسكرية في منطقة مساكن “عرين الأسد”، برزت إلى السطح حكاية حي آخر يعيش على هامش العاصمة. بُنيت مساكن “العرين” أصلاً لاستيعاب عناصر وزارة الدفاع، لكنها تحوّلت مع السنوات إلى خليط متعب من عسكريين متقاعدين وموظفين حكوميين وعائلات مهجّرة من الشمال. جدران إسمنتية عالية، طرق ضيقة، ووجوه تحمل قسوة العزلة، جعلت المكان أشبه بثكنة فقدت وظيفتها.
وراء كل باب في “العرين” حكاية اغتراب. امرأة مسنّة جاءت من اللاذقية مع ابنها الضابط اعترفت بأنها لم تدخل دمشق يوماً، رغم أن الحي يتبع لها إدارياً. سور الفصل لم يكن عمرانياً فقط، بل ذهنياً ونفسياً أيضاً، ليحوّل “العرين” إلى مساحة منفصلة عن المدينة الأم.
ومع القرارات الأخيرة التي ألزمت السكان بإخلاء مساكنهم خلال أيام قليلة، ارتفعت الأصوات الرافضة، خاصة من العائلات المهجّرة والعسكريين القدامى الذين وجدوا أنفسهم أمام اقتلاع جديد بلا بدائل. التظاهرات الصغيرة التي خرجت هناك لم تستطع إخفاء القلق العميق: مصير مئات الأسر معلّق بين جدران قديمة مهددة بالهدم، وبلاغات إدارية لا ترحم.
ما يحدث في المِزّة والسومرية و”عرين الأسد” يروي فصلاً متكرراً من سياسة النظام: استخدام الحجر والبشر كأدوات لإعادة هندسة المدينة، بما يخدم بقاءه لا حياة الناس. وبينما ترتفع أبراج إسمنتية باردة مكان بيوت غابت، يكتفي السكان اليوم بالمطالبة بأبسط ما يمكن: حياة كريمة تحت سقف آمن، ولو كان مهدداً بالزوال.



