مقالات

صور تحت الحصار: آلاف النازحين يفرّون من جنوب لبنان وسط فراغ المدينة وصمتها الموحش

صور تحت الحصار: آلاف النازحين يفرّون من جنوب لبنان وسط فراغ المدينة وصمتها الموحش

على الطريق الساحلي الممتد من بيروت إلى صور، يسيطر شعور بالغموض والتوتر، وكأن المدينة على أعصابها، مستعدة لتغير مفاجئ. في صيدا، الحركة قائمة لكن ناقصة، والوجوه متطلعة نحو السماء أكثر من مراقبة الحياة اليومية، وسط خوف من أن تكون المدينة الهدف التالي للصراع. أما في الغازية، فتسير الحياة كما لو كانت تفاوض الزمن، مع استمرار عمل الأفران وتبضع السكان، رغم وجود الخوف، لكنه لا يثنيهم عن مواجهة الواقع.

مع الاقتراب من صور، يظهر تأثير النزاع بوضوح. المدينة شبه خالية، الشوارع صامتة، والمحلات مغلقة. العائلات التي كانت تعيش من تجارتها أغلقت أبوابها وغادرت، تاركة خلفها فراغاً ثقيلًا في أماكن كانت مكتظة بالحياة، مثل شاطئ صور ودوّار العلم. المناطق المحيطة بالمخيمات، مثل مخيم البص، حافظت على نشاط محدود إلى أن صدر الإنذار بإخلاء المدينة والمخيمات مساء الثلاثاء، مما أدى إلى ازدحام مروري وانطلاق إطلاق نار تحذيري، وتسارع النزوح الذي فرغ المدينة تقريباً من سكانها.

وفق إحصاءات غرفة عمليات وحدة إدارة الكوارث في اتحاد بلديات قضاء صور، بلغ عدد النازحين نحو 16 ألف شخص، بينهم أكثر من 3600 نازح في مراكز الإيواء، بينما توزعت البقية داخل أحياء المدينة. ومع ذلك، بقي نحو 10% من السكان في المدينة، إما لعدم قدرتهم على المغادرة أو لاختيارهم الصمود رغم المخاطر.

الناشطون المحليون وصفوا الأيام الأولى للتصعيد بأنها الأصعب، مؤكدين أن السكان تُركوا لمواجهة الأزمة بأنفسهم، دون دعم منظمات دولية أو مبادرات محلية فعالة. وفي مراكز الإيواء، تجسدت معاناة السكان بشكل أكبر، كما تقول سلوى من بلدة الضهيرة، التي أمضت ثلاث سنوات في النزوح داخل صور: “بلادنا صارت صحراء… نحن نقبل بالعيش على التراب، لكن حتى التراب لم يسمح لنا بالعيش عليه”. ومع تجدد النزاع، اكتظّت المراكز بنازحين جدد، ما زاد من الضغوط النفسية والصعوبات اليومية.

مصطفى إبراهيم السيد من بيت ليف، يحمل تجربة أطول في النزوح، إذ تهجّر خمس مرات سابقاً (1982، 1988، 2006، 2023) ويضيف إليها الآن تهجيراً جديداً في 2026. ويقول: “هذه أصعب مرحلة”، مشيراً إلى أن تهجير سكان المدينة اضطرهم للفرار في منتصف الليل، إلى مركز إيواء لم يجدوا فيه سوى صعوبة الحياة اليومية. وهكذا، يستمر السكان في التكيف مع الوضع، بين نزوح متكرر وحياة مؤجلة، وسط أحلام معلقة على أمل يتأرجح بين سماء الحرب وأرض التشريد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce