
لبنان يواجه خطر الانهيار الشامل وسط إهدار الفرص التاريخية
لبنان يواجه خطر الانهيار الشامل وسط إهدار الفرص التاريخية
يشهد لبنان منذ عقود سجالاً سياسياً دائماً بين من يروّجون لفكرة “كسب الوقت” باعتبارها وسيلة للهروب من الأزمات، وبين من يعتبرونها مجرد “إهدار للفرص” يقود إلى مآزق أعمق. هذه العقلية التي برع في تكريسها الرئيس نبيه برّي وآخرون، حولت السياسة إلى لعبة تسويف ومماطلة، حيث تُرحَّل الاستحقاقات وتُتراكم الأزمات بلا حلول جذرية.
منذ اتفاق الطائف الذي لم يُطبّق كاملاً حتى اليوم، رسّخت هذه الذهنية نفسها في كل مفصل من الحياة اللبنانية: في الحكومات والبرلمان، في القضاء والاقتصاد والأمن، وحتى في القضايا السيادية الكبرى. فرص ثمينة لإصلاح النظام أو لتسويات تاريخية كانت تظهر من حين إلى آخر، لكنها كانت تتبدد أمام غياب الشجاعة السياسية والقدرة على المبادرة.
تجربة السنوات الأخيرة جسّدت هذا النمط بأوضح صوره. فمنذ 2019، ومع تفاقم الانهيار الاقتصادي والمالي والفساد المستشري، دخل لبنان في عزلة عربية ودولية بسبب تحالفه مع محور “الممانعة”، فيما ظلت السلطة متحصنة خلف ذهنية التسويف. المبادرات الخارجية، أبرزها المبادرة الفرنسية، جوبهت بالتذاكي والمراوغة، في وقت واصل فيه حزب الله وحلفاؤه تعطيل أي محاولة إصلاحية.
في صيف 2024، كان المشهد أشد وضوحاً: الموفد الأميركي آموس هوكشتاين عرض حزمة حلول تتعلق بالحدود والسيادة والرئاسة والإصلاحات، لكن الإجابة لم تأتِ، وظلت مقولات “الصبر التاريخي” و”الممانعة” غطاءً للتعطيل. النتيجة كانت كارثة وطنية وانهيارات متلاحقة على المستويين الداخلي والحدودي.
مع بداية العهد الرئاسي الجديد وتولي نواف سلام رئاسة الحكومة، ارتفعت نبرة الخطاب الرسمي بأن زمن إهدار الفرص انتهى، إدراكاً بأن سياسة كسب الوقت لم تنتج سوى الهزائم والأزمات. ومع ذلك، لا تزال القوى السياسية المتمسكة بالتذاكي والمماطلة قادرة على فرض إيقاعها، فيما الخارج بات أكثر صرامة، كما بدا في مواقف الموفدين الدوليين الذين فقدوا صبرهم على النهج اللبناني التقليدي.
وهكذا، يبقى لبنان عالقاً في حلقة مفرغة، حيث يُهدر الزمن والفرص معاً، بينما تتقدم الأخطار من الداخل والخارج، فيما الفرصة الأخيرة قد تضيع مجدداً ما لم يُكسر هذا النهج المتجذر.



