مقالات

موازنة 2026: صفر عجز على الورق… وأرقام تفضح الواقع

موازنة 2026: صفر عجز على الورق… وأرقام تفضح الواقع

تتحدث وزارة المال بثقة عن مشروع موازنة 2026 وكأنها خالية من أي ثغرات أو عجز، بل يذهب الوزير ياسين جابر أبعد من ذلك حين يؤكد أن موازنة 2025 حققت فائضًا صغيرًا، وأن العمل جارٍ على تسجيل فائض في العام المقبل. لكن الواقع مختلف، إذ لم تثبت موازنة 2025 أي فائض، ولا المؤشرات الحالية توحي بقدرة الدولة على تحقيقه، طالما تُعد الموازنة وفق الآلية التقليدية ذاتها، من دون قطع حساب أو ضبط فعلي للنفقات والإيرادات.

 

المشروع الجديد يكرر ثغرات السنوات الماضية: تغييب خدمة الدين العام وديون الدولة، استبعاد بنود إصلاحية، وتجاهل مصادر إيرادات أساسية مقابل تثبيت الإعفاءات واستنساخ مكامن الخلل. ورغم الحديث عن “صفر عجز”، فإن مشروع القانون يتيح فتح اعتمادات إضافية تصل إلى ألف مليار ليرة بمرسوم، ما يطرح تساؤلات جدية حول جدية أرقام الموازنة، خصوصًا أن الاعتمادات الاستثنائية في 2025 بلغت أرقامًا قياسية.

 

ويكشف التدقيق أن الحكومة لجأت إلى الإنفاق من حساب الخزينة 36 في مصرف لبنان، باعتباره فائضًا، رغم أنه مجرد حساب جارٍ لا يتضمن احتياطًا ماليًا. وبموجب هذا الأسلوب صُرفت آلاف المليارات على رواتب المتقاعدين عبر مراسيم، بينما يتطلب الدستور إقرارها بقانون. هذا ما دفع نوابًا إلى التحذير من أن “صفر العجز” المعلن لا يستند إلى أساس قانوني أو محاسبي متين.

 

إلى جانب ذلك، حملت الموازنة تعديلات ضريبية مثيرة للجدل أدرجت تحت ما يُعرف بـ”فرسان الموازنة”، من رفع الغرامات والرسوم على معاملات الأحوال الشخصية، إلى زيادات ملحوظة على معاملات الأمن العام والإقامات وسمات الدخول، فضلًا عن فرض رسم بنسبة 3% على الاستيراد. والأخطر أن بعض المواد تفتح الباب أمام استنسابية في فرض الاقتطاعات، بحيث تطال “بعض” المكلفين دون غيرهم، ما يكرّس التمييز ويقوّض العدالة الضريبية.

 

كما أعادت الموازنة ملف الطوابع الورقية إلى الواجهة، مانحة البلديات والمخاتير حق بيعها مقابل جعالة، ما يثير علامات استفهام حول مصير الطابع الإلكتروني وخطة إصلاح القطاع، إذ يفتح الباب مجددًا أمام الاحتكار والابتزاز والسوق السوداء.

 

بهذا المعنى، تبدو موازنة 2026 أقرب إلى “تجميل الأرقام” بدل تقديم رؤية إصلاحية حقيقية. وبينما يُسوَّق لها على أنها بلا عجز، تكشف تفاصيلها عن ثغرات جوهرية تجعلها استمرارًا لمسار قديم، يُعيد إنتاج الأزمات بدل معالجتها.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce