مقالات

سقوط حكومة بايرو يفتح أمام ماكرون نفق الأزمات

سقوط حكومة بايرو يفتح أمام ماكرون نفق الأزمات

بخطوات وئيدة، صعد فرنسوا بايرو، رئيس الحكومة الفرنسية، منصة الجمعية الوطنية عند الثالثة من بعد ظهر الاثنين، مدركاً أنه يسير نحو مصير سياسي محتوم. طلب من النواب منح حكومته الثقة استناداً إلى خطته لمعالجة المديونية التي بلغت مستويات غير مسبوقة، مذكّراً بأن المسألة ليست نزاعاً حزبياً بل قضية تاريخية تمسّ مستقبل الأجيال. لكن، وكما كان متوقعاً، رفض البرلمان طلبه، ليصبح بايرو أول رئيس حكومة في الجمهورية الخامسة يلقى هذا المصير بعد تسعة أشهر فقط على توليه المنصب.

في خطابه، حذّر بايرو من المديونية التي وصلت إلى 3415 مليار يورو، مع فوائد سنوية قد تتجاوز 100 مليار يورو نهاية العقد، مشيراً إلى أن 60 في المائة من الديون في يد دائنين أجانب، ما يهدد سيادة فرنسا ودورها الدولي. لكنه لم يخفِ إدراكه أن حكومته وُلدت ضعيفة منذ البداية، لافتقارها إلى أي أكثرية برلمانية، وأن المعارضة بمختلف أطيافها اتفقت على إسقاطه رغم تباين توجهاتها.

إخفاق بايرو لم يكن منفصلاً عن قرار الرئيس إيمانويل ماكرون الصيف الماضي بحل البرلمان والدعوة إلى انتخابات أفرزت مشهداً سياسياً مشظى. ومنذ بداية ولايته الثانية عام 2022، استهلك ماكرون أربعة رؤساء حكومات، في وقت يتزايد فيه الغضب الشعبي الذي يهدد بالتحول إلى حراك واسع على غرار “السترات الصفراء”. فقد دعت مجموعات مدنية ونقابية إلى إضرابات ومظاهرات تبدأ هذا الأسبوع، وتتصاعد في 18 أيلول، في تحدٍ جديد للسلطة.

تزداد الأزمة تعقيداً مع اقتراب نهاية عهد ماكرون في 2027، إذ يرى مراقبون أن مديونية البلاد وأزماتها الاجتماعية قد تطيح بما تبقى من ولايته وتضعف نفوذ فرنسا على الساحتين الأوروبية والدولية. ويبدو ماكرون اليوم أمام خيارات صعبة: إما البحث عن رئيس حكومة من “الكتلة المركزية” التي دعمته سابقاً رغم هشاشتها، أو المغامرة بحل البرلمان والدعوة إلى انتخابات جديدة، وهو خيار محفوف بمخاطر صعود اليمين المتطرف بقيادة مارين لوبن. في المقابل، يطالب اليسار المتشدد بانتخابات رئاسية مبكرة قد تضع زعيمه جان لوك ميلونشون في مواجهة مباشرة مع لوبن.

أما الأسماء المتداولة لخلافة بايرو فتتراوح بين وزراء حاليين مثل سيباستيان لوكورنو وجيرالد دارمانان، وشخصيات من خارج المعادلة السياسية التقليدية مثل تيري بوديه، المطروح لترؤس حكومة تكنوقراط. لكن ماكرون يواجه معضلة مزدوجة: فهو لا يريد تكرار التجارب الفاشلة لشخصيات من الكتلة الوسطية، ولا يرغب في تسليم الحكم لوجه يساري قد يغير مساره الاقتصادي والضريبي بالكامل.

هكذا يجد الرئيس الفرنسي نفسه أمام معادلة أشبه بتربيع الدائرة، وسط ضغوط سياسية واجتماعية واقتصادية متشابكة. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل ينجح ماكرون في إخراج أرنب من قبعته، أم أن الأزمات المتلاحقة ستدفع فرنسا إلى مرحلة أكثر خطورة في الأيام المقبلة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce