مقالات

لبنان يعيد رونقه: مار مخايل يتحول إلى قلب ثقافي جديد

لبنان يعيد رونقه: مار مخايل يتحول إلى قلب ثقافي جديد

في أواخر القرن التاسع عشر، شُيّدت محطة القطار في مار مخايل لتصبح واحدة من أبرز محطات لبنان ضمن شبكة سكة الحديد العثمانية، وكانت صلة وصل جعلت بيروت تُعرف حينها بـ”بوابة الشرق”. انطلقت منها القطارات نحو فلسطين ومصر، وصولاً إلى إسطنبول، والاتجاه الآخر إلى دمشق وحلب وحماة، رابطاً مرافئ بيروت وطرابلس بأهم حواضر الساحل السوري وشماله. لكن هذه الحركة انكسرت باكراً مع نكبة 1948 التي أقفلت خط فلسطين، وحصرت رحلات القطار في الداخل أو عبر الحدود السورية. لاحقاً، جاءت الحرب الأهلية اللبنانية لتعطّل معظم الشبكة، قبل أن تتوالى الضربات الإسرائيلية فتزيد خراب المنشآت. ومع كل ذلك، بقيت سكك الحديد شاهدة على زمن كانت فيه بيروت مفتوحة على محيطها، تربط الاقتصاد بالعالم وتختصر المسافات بين المدن والناس.

حين دوّى انفجار مرفأ بيروت في آب 2020، لم تسلم محطة مار مخايل من أضراره. كانت أصلاً مهجورة ويهدمها الإهمال منذ عقود، فزاد الانفجار من هشاشتها. اعتبر وزير الثقافة غسان سلامة أن الأرض لا يمكن أن تُترك مهملة وسط منطقة تستقطب الشباب من مار مخايل إلى الجميزة، مؤكداً ضرورة تحويل الموقع إلى مركز ثقافي عامر يضج بالنشاطات بدل أن يبقى خراباً. اليوم، تعود المحطة إلى الحياة ليس كسكة حديد، بل كمعلم ثقافي، بدعم من اليونيسكو والحكومة الإيطالية، وبالتعاون بين وزارتي الثقافة والأشغال العامة، ضمن مشروع يركز على الثقافة والذاكرة والابتكار.

وأكد سلامة أن الغاية لا تقتصر على ترميم مبنى، بل على تأكيد أن لبنان ليس يتيماً، وأن هناك شراكات دولية مثمرة قادرة على إعادة الرونق إلى البلاد. وأشار إلى مشاريع مماثلة مثل ترميم قصر اليونيسكو، وقصر بيت الدين، وقصر الأمير أمين، معتبراً الثقافة جزءاً لا يتجزأ من عملية التعافي الاقتصادي. وأوضح أن تحويل جزء من أرض المحطة إلى مركز ثقافي عامر لا يتعارض مع أي خطط مستقبلية لإعادة تشغيل سكك الحديد، إذ ستبقى السكك محفوظة للإمكان استخدامها لاحقاً كما كانت.

أما وزير الأشغال فايز رسامني، فرأى أن إعادة تفعيل القطارات أمر مكلف جداً ويتطلب خططاً مشتركة مع الدول المجاورة، لكنه شدد على أن المشروع يترك الباب مفتوحاً للمستقبل. وأشار إلى أهمية الحفاظ على السكك الحالية، مؤكداً أن الموظفين الذين يحافظون عليها هم من منعوا بيعها خردة، وأن فكرة إعادة الترامواي تُدرس حالياً فقط إذا ثبتت جدواها الاقتصادية.

ما يُرسم اليوم في مار مخايل ليس مجرد عودة إلى الماضي، بل محاولة لإنقاذ ما تبقى منه. تحويل المحطة إلى مركز ثقافي مع إبقائها جاهزة لأي مشروع مستقبلي يجمع بين الحنين إلى زمن السكك الحديد وبين واقعية الحاضر، في خطوة تحمل معنى أبعد من الحجر، لتثبت أن إعادة الإعمار تشمل الذاكرة والمساحات المهملة، ويمكن أن تعود نابضة بالحياة حين يوجد القرار والرؤية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce