
تفكيك المحيط الإقليمي: استراتيجية إسرائيلية لضرب التوازنات
تفكيك المحيط الإقليمي: استراتيجية إسرائيلية لضرب التوازنات
من غزة إلى الضفة، ومن سوريا إلى لبنان، تبدو الحروب الإسرائيلية مفتوحة بلا نهاية. فحكومة بنيامين نتنياهو جعلت من استمرار الحروب السمة الأساسية لسياساتها منذ أحداث السابع من أكتوبر، لتصبح هذه المعارك وسيلتها للبقاء السياسي حتى موعد الانتخابات المقررة في خريف 2026 وربما أبعد من ذلك. وبقدر ما تبدو الساحة الفلسطينية محوراً مركزياً لهذه المواجهات، فإن عمليات إسرائيل العسكرية والأمنية تمتد إلى سوريا ولبنان واليمن، في سياق استراتيجية واضحة تستهدف كل الدول الكبيرة والوازنة في المنطقة، سواء من حيث الجغرافيا أو الديمغرافيا أو الاقتصاد أو العسكر.
من هذه المقاربة تنطلق فكرة “إسرائيل الكبرى” أو “إسرائيل العظمى”، حيث تسعى تل أبيب إلى تكبير دورها عبر تصغير الكيانات المحيطة بها. فهي، بالاستناد إلى دعم أميركي ودولي، تريد أن تصبح صاحبة اليد العليا في الشرق الأوسط، ولو كان ذلك على حساب تقويض التوازنات القديمة وإضعاف الدول المحيطة. وعندما لا تتمكن من فرض نفوذها المباشر، تعمل على ضرب خصومها وتهشيم قدراتهم، سواء عبر التهجير أو التقسيم أو فرض المناطق العازلة.
في فلسطين، تواصل إسرائيل مشروعها لتهجير سكان غزة وتصفية مقومات الحياة فيها، بالتوازي مع ضم الضفة الغربية وفرض وقائع تهجيرية جديدة. وفي سوريا ولبنان، تطرح إقامة مناطق عازلة توسّع هامش وجودها العسكري وتقلّص المساحات الجغرافية للدولتين، في مسعى لتصغير كياناتهما وضرب الدول المعنية بهما. فضم الضفة يضعها في مواجهة مع غالبية دول العالم، بينما تدخّلها في سوريا يجرّ عليها صراعاً مع الدول العربية الكبرى وتركيا، وفي لبنان مع أطراف دولية وإقليمية متعددة.
هذا المشروع يتجاوز البعدين السوري واللبناني. ففي سوريا تحديداً، يبرز التباين الأميركي – الإسرائيلي حيال الملفات الحساسة مثل السويداء و«قسد»، حيث تواصل إسرائيل مساعيها لإقامة منطقة خالية من السلاح بعمق 40 كيلومتراً جنوباً، وهو مطلب قديم تجدد اليوم بغطاء جديد. وفي لبنان، تسعى تل أبيب إلى فرض منطقة عازلة خالية من السكان، رافضة دخول الجيش اللبناني أو قوات «اليونيفيل»، ومتمسكة بانتشار قوات متعددة الجنسيات تضمن رؤيتها للمرحلة المقبلة، بما يعني عملياً قضم جزء من الجغرافيا والديمغرافيا اللبنانية.
على لسان نتنياهو، تصف إسرائيل ما قامت به في فلسطين وسوريا ولبنان بأنه ضربات ناجحة ضمن معركة مواجهة “المحور الإيراني”. غير أن الأفق يتسع إلى تركيا، التي تعتبرها تل أبيب هدفاً استراتيجياً لمشروعها، سواء عبر الصراع المباشر أو عبر محاولات زرع أزمات داخلية تقوّض وحدتها ودورها. وهو السيناريو نفسه الذي حاولت وتواصل تطبيقه في دول عربية أخرى، من خلال تعميق الانقسامات العرقية أو المذهبية، في إطار مشروع يقوم على تفكيك الدول وتصغيرها، لتبقى هي “الدولة الكبرى” الوحيدة في الشرق الأوسط.



