
سوريا تحت ضغط إقليمي مستمر: إعادة تشكيل الدولة في قلب الصراع الإقليمي
سوريا تحت ضغط إقليمي مستمر: إعادة تشكيل الدولة في قلب الصراع الإقليمي
تشهد سوريا تحولاً عميقاً في دورها ووظيفتها ضمن الصراع الإقليمي، حيث أصبحت محوراً لإدارة التدفقات العسكرية والسياسية العابرة للحدود بعد أكثر من 14 عاماً من الصراعات المتشابكة، التي شملت حروباً برية وجوية وبحرية وهجينة وسيبرانية، وتداخلت فيها أجهزة مخابرات وغرف عمليات داخلية وخارجية. وتهدف الضغوط الأميركية والإسرائيلية إلى إعادة برمجة الدولة السورية، بحيث تتحول من جغرافيا مستهلكة للصراع إلى طبقة عازلة تحدد مسارات الحركة العسكرية والسياسية، مع التركيز على تفكيك أي روابط مباشرة بين إيران ولبنان والعراق، وإعادة ضبط القدرات العملياتية داخل سوريا نفسها.
وتستهدف العمليات الإسرائيلية الأخيرة الجنوب السوري بشكل خاص، حيث تسعى تل أبيب إلى تفريغ المنطقة من أي قدرة عسكرية تراكمية، مع التركيز على تدمير البنية التحتية العسكرية ومراكز القيادة وشبكات الإمداد، ما يجعل جنوب سوريا فضاءً دائماً مفتوحاً للاستهداف والمراقبة. وفي الوقت نفسه، تسعى واشنطن إلى إعادة تشكيل الإدراك السوري لمصالحه الاستراتيجية، عبر مزج تخفيف الضغوط الاقتصادية والانخراط السياسي مع فرض سلوكيات محددة، بما يعيد تعريف العلاقة مع الشبكات غير الحكومية مثل حزب الله ويحول الدولة السورية إلى فاعل ضبط حدودي أكثر من كونه منصة نفوذ.
ويظل الجنوب السوري نقطة حساسة تتقاطع فيها المصالح الإسرائيلية والأميركية والإيرانية، معقدة بطبيعة التركيبة الاجتماعية المحلية، لا سيما الثقل الدرزي في السويداء وجبل العرب، ما يجعل السيطرة على المنطقة تحدياً معقداً يفرض إعادة توزيع التوازنات باستمرار. وتواجه القوات النظامية السورية تحديات متعددة تشمل نقص المقاتلين واستنزاف البنية العسكرية، مقابل انتشار فاعلين مسلحين مستقلين، ما يحوّل أي تدخل تقليدي إلى عملية صعبة التعريف ضمن منطق السيطرة الكلاسيكي.
وفي ظل هذه التفاعلات، تعتمد سوريا على استراتيجية غموض محسوب، تمنحها هامش مناورة سياسي ودبلوماسي، حيث تُوزع التزاماتها بين ضبط الحدود وتقليص نشاط الفاعلين غير الحكوميين، مع الحفاظ على فرص التأثير في النظام الإقليمي دون الانخراط الكامل في شبكة أمنية خارجية مفروضة. ويتيح هذا التموضع إعادة تعريف دور سوريا كفاعل مسؤول يساهم في حماية الممرات الحيوية ويحد من امتداد التهديدات، بينما يضمن لها استمرار وزن سياسي ضمن بيئة إقليمية تتسم بالتوازنات الدقيقة والصراعات متعددة الطبقات.



