
لماذا تتراجع واشنطن عند حافة الحرب؟ كلفة المواجهة مع إيران تفوق حسابات القوة
لماذا تتراجع واشنطن عند حافة الحرب؟ كلفة المواجهة مع إيران تفوق حسابات القوة
لا تُقاس الحروب دائمًا بسرعة الضربة أو حجم القوة المستخدمة فيها، ولا يُعدّ الاستعراض العسكري بحد ذاته مؤشرًا على حسمٍ وشيك. فقد أظهرت التجارب الحديثة أن التفوق العسكري لا يترجم تلقائيًا نصرًا سياسيًا، وأن الدخول في نزاعات مفتوحة قد يتحول إلى عبء استراتيجي يصعب التحكم بمساراته أو نهاياته. في هذا السياق، تبدو العلاقة الأميركية – الإيرانية مثالًا صارخًا على معادلة القوة المكلفة، حيث يتكرر التهديد دون أن يتحول إلى مواجهة شاملة.
على مدى أكثر من عشرين عامًا، عاد السؤال ذاته إلى الواجهة كلما بلغ التوتر بين واشنطن وطهران ذروته: ما الذي يمنع الولايات المتحدة من توجيه ضربة عسكرية حاسمة لإيران، رغم وفرة الذرائع المعلنة وتراكم الخلافات وضغوط الحلفاء؟ اليوم، ومع تصاعد الخطاب السياسي، وحشد القوات، وتزايد الإشارات التحذيرية، لا تزال الحرب غائبة، سواء في شكلها الواسع أو حتى ضمن ما يُروَّج له كعملية محدودة وسريعة.
اللافت أن الإشكالية لم تعد مرتبطة بالرغبة، إذ إن النية الأميركية باستخدام القوة لا تبدو موضع شك، بل بما يحول دون اتخاذ القرار. فالردع في الحالة الإيرانية لا يقوم على موازين القوة التقليدية وحدها، بل على شبكة معقدة من الأكلاف المحتملة التي تجعل أي ضربة بداية لمسار غير قابل للضبط.
صحيح أن الكفة العسكرية تميل بوضوح لمصلحة واشنطن، غير أن إيران طوّرت خلال السنوات الماضية نموذجًا مختلفًا للردع، يقوم على أدوات غير متماثلة، تشمل قدرات صاروخية دقيقة، وإمكانات بحرية قادرة على تعطيل الملاحة، فضلًا عن حضور إقليمي واسع يتيح توسيع نطاق الرد خارج الجغرافيا الإيرانية. من هنا، لا يُتوقع أن تبقى أي مواجهة محصورة في نطاقها المباشر، بل قد تمتد إلى أكثر من ساحة، مهددة أمن الطاقة والممرات البحرية، وقواعد عسكرية، وحلفاء إقليميين، وفي مقدمتهم إسرائيل.
هذا الواقع يضع صانع القرار الأميركي أمام سيناريو حرب طويلة، بلا ضمانات واضحة لنهايتها، حيث يتحول الردع من توازن قوة إلى توازن كلفة مفتوحة. ومع غياب القدرة على التحكم بإيقاع التصعيد، يظهر ما يشبه الشلل في القرار الاستراتيجي، إذ لا يتعلق الأمر بعملية عسكرية معزولة، بل بخيار سياسي شامل، يفرض على الإدارة الأميركية تحمل تبعات زمنية وبشرية واقتصادية لا يمكن احتواؤها بسهولة.
وتبرز هنا عقدة الخسائر البشرية، التي تشكل أحد أكثر العوامل حساسية في الداخل الأميركي. فالتجارب المريرة في العراق وأفغانستان لا تزال حاضرة في الوعي العام، حيث لم يعد المجتمع الأميركي متسامحًا مع سقوط الجنود خارج إطار الدفاع المباشر عن الأراضي الأميركية. أي مواجهة مع إيران تعني تعريض القوات المنتشرة في العراق وسوريا والخليج لهجمات مباشرة أو غير مباشرة، ما يحوّل حتى الضربة المحدودة إلى أزمة داخلية يصعب احتواؤها سياسيًا.
إلى جانب ذلك، تفرض الحسابات الاقتصادية نفسها بقوة. فالدخول في حرب مع إيران قد يستدعي إنفاقًا عسكريًا ضخمًا في لحظة يعاني فيها الاقتصاد الأميركي من ضغوط متراكمة، تشمل التضخم، وارتفاع الدين العام، والعجز المالي، فضلًا عن انقسام داخلي حاد حول أولويات الإنفاق. كما أن أي تصعيد كبير سيؤدي إلى اضطراب أسواق الطاقة وارتفاع الأسعار عالميًا، ما يضاعف الكلفة السياسية داخليًا ويقوّض الجدوى الانتخابية لأي مغامرة عسكرية.
على المستوى الدولي، لا تمتلك واشنطن غطاءً واسعًا لمواجهة من هذا النوع. فروسيا والصين تراقبان المشهد من موقع المستفيد المحتمل من أي استنزاف أميركي إضافي، فيما قد تؤدي الحرب إلى تعميق الاستقطاب العالمي وتعزيز الشراكات المضادة للنفوذ الأميركي. وفي ظل انخراط الولايات المتحدة في ملفات كبرى، من أوكرانيا إلى شرق آسيا، تبدو الجبهة الإيرانية عبئًا استراتيجيًا إضافيًا يصعب إدراجه ضمن سلم الأولويات.
رهانات الضغط الداخلي على طهران لم تكن أكثر نجاحًا. فرغم موجات الاحتجاج المتكررة التي شهدتها إيران خلال السنوات الماضية، لم تؤدِّ هذه التحركات إلى انهيار الدولة أو إسقاط النظام. ويعود ذلك إلى مزيج من القبضة الأمنية، والقدرة على امتصاص الصدمات عبر تنازلات تكتيكية، إضافة إلى حساسية تاريخية عميقة تجاه التدخل الخارجي، جعلت أي ضغط خارجي عاملًا في إعادة تعبئة جزء من الرأي العام حول فكرة السيادة.
أما العقوبات، فعلى قسوتها، لم تنجح في تحقيق هدفها النهائي، بل أسهمت في نشوء اقتصاد موازٍ وطبقة مستفيدة من الالتفاف على القيود، ما فاقم التفاوت الاجتماعي دون أن يخلق إجماعًا داخليًا على تغيير جذري. هذا الواقع يدفع واشنطن إلى إدراك أن إيران ليست دولة قابلة للكسر السريع، لا بالقوة العسكرية وحدها، ولا بالخنق الاقتصادي، ولا بتحريك الشارع بشكل منفصل.
في ضوء ذلك، يبدو التريث الأميركي أقرب إلى تأجيل محسوب منه إلى تراجع نهائي عن الخيار العسكري. فالمؤشرات توحي بأن واشنطن تعمل على معالجة بعض العوائق التي كبّلت القرار سابقًا، من توازنات إقليمية إلى حسابات داخلية، مع الإبقاء على التهديد كأداة ضغط سياسي. غير أن المعضلة الأساسية لا تزال قائمة: غياب هدف واضح ومحدد لأي ضربة محتملة.
وهنا تكمن المفارقة: إذا لم تستجب طهران للضغوط، يفقد التهديد صدقيته، وإذا جرى تنفيذه، تتحول الضربة إلى مقامرة استراتيجية مفتوحة. وبين هذين الخيارين، تبقى الحرب ممكنة نظريًا، مرتفعة الكلفة عمليًا، وتفتقر إلى الضمانات التي تسمح للولايات المتحدة بخوضها دون مخاطر تتجاوز قدرتها على الاحتمال.



