مقالات

بين صندوق الاقتراع ونار الحدود… لبنان في سباق مع الانفجار

بين صندوق الاقتراع ونار الحدود… لبنان في سباق مع الانفجار

يجد لبنان نفسه في مرحلة شديدة الحساسية، حيث يتداخل الاستحقاق النيابي مع مسارات أمنية وإقليمية متسارعة، وسط غموض يلفّ قرار إجراء الانتخابات في موعدها أو الذهاب نحو تأجيل تقني أو سياسي أطول. هذا التردّد الداخلي يتزامن مع مشهد إقليمي أكثر توترًا، تُظهر فيه الساحة الإسرائيلية إشارات إلى رغبة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في إعادة خلط الأوراق، حتى لو استدعى ذلك الذهاب نحو مواجهة عسكرية واسعة قد تمتد تداعياتها إلى لبنان.

تقديرات متداولة في الأوساط السياسية ترى أن نتنياهو قد يجد في التصعيد خيارًا يخدم حساباته الداخلية، خصوصًا إذا شعر بأن أي تفاهمات أمنية أو تهدئة على الجبهة اللبنانية لن تنعكس لصالحه انتخابيًا. وفي هذا السياق، يبرز سيناريو مقلق يتمثل في تفضيل خيار القوة على أي حلول تفاوضية، بما يضع لبنان مجددًا أمام خطر الانفجار، ويدفع رئاسة الجمهورية إلى البحث عن مخارج سياسية وأمنية لتجنّب الأسوأ.

في المقابل، تبدو إيران متمسكة بسياسة كسب الوقت، سواء في حوارها غير المباشر مع واشنطن أو في الساحة اللبنانية، حيث يُقرأ هذا الانتظار على أنه محاولة لتحسين شروط أي تسوية إقليمية محتملة. إلا أن هذه المقاربة تُبقي لبنان في موقع هش، مكشوف أمنيًا واقتصاديًا، مع استمرار الضربات الإسرائيلية والضغوط المالية، ما يحوّل كل يوم تأخير إلى استنزاف إضافي لقدرة الدولة على الصمود.

على المستوى الداخلي، تتحرك وزارة الداخلية تقنيًا في ملف الانتخابات عبر تحديث القيود ودعوة الناخبين إلى التحقق من بياناتهم، في مشهد يوحي بأن الاستحقاق قائم. غير أن الواقع السياسي يعكس صورة مغايرة، إذ تتعامل معظم القوى مع الانتخابات على أنها مؤجَّلة، فيما تتحول التحركات الانتخابية المبكرة إلى مجرد شدّ عصب واستعراض تنظيمـي، من دون حسم فعلي لموعد الاقتراع.

في موازاة ذلك، يبرز اتجاه داخل البرلمان يسعى إلى فتح باب التأجيل تشريعيًا، عبر اقتراحات قوانين تُبرَّر بصعوبات لوجستية وأمنية. هذا المسار يعكس في جوهره محاولة لمنح القوى السياسية وقتًا إضافيًا لإعادة التموضع، أو تفادي اختبار انتخابي في لحظة شديدة التعقيد.

أمنيًا، يدفع الجنوب ثمن هذا الشلل السياسي، مع تصاعد الغارات والإنذارات الإسرائيلية، وما تخلّفه من أضرار واسعة في المناطق السكنية، في رسالة ضغط واضحة على الداخل اللبناني. وتأتي هذه التطورات بالتوازي مع حراك دبلوماسي وعسكري، شمل زيارات واتصالات مع واشنطن، في إطار تقييم أداء الدولة اللبنانية في ملف ضبط السلاح جنوب الليطاني، وسط حديث متزايد عن آليات ضغط زمنية وسياسية قد تُفرض في المرحلة المقبلة.

داخليًا أيضًا، تواجه الحكومة ضغوطًا اجتماعية متراكمة، من ملف رواتب العسكريين إلى مطالب المعلمين وأساتذة الجامعة اللبنانية، في ظل ضيق مالي يقيّد قدرة السلطة على تقديم حلول سريعة. وتتقاطع هذه الملفات مع مخاوف من تحركات مطلبية أوسع، تزيد من هشاشة الوضع الداخلي.

هكذا، يقف لبنان عند تقاطع بالغ الخطورة: انتخابات بلا موعد ثابت، وحدود مشتعلة، وضغوط خارجية تتخذ طابعًا أكثر صراحة، مقابل حكومة تحاول احتواء الأزمات بوعود مؤقتة. وبين صندوق اقتراع معلّق وصندوق نار مفتوح، يبقى الاستقرار رهينة حسابات إقليمية وانتظار داخلي لا يبدو أن نهايته قريبة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce