
تحرير السوق السوري: خيارات ظاهرية للمستهلك وسط قيود اقتصادية صارمة
تحرير السوق السوري: خيارات ظاهرية للمستهلك وسط قيود اقتصادية صارمة
مع تكرار الإعلانات الحكومية عن الانتقال من نموذج السوق الاجتماعي إلى السوق الحرة، يطرح التساؤل حول قدرة المواطن السوري على الاستفادة من هذا التحوّل. نظريًا، يفترض أن يوفر اقتصاد السوق الحرة تنوعًا أكبر في المنتجات وتحسينًا في الجودة وانخفاضًا نسبيًا في الأسعار نتيجة المنافسة، إلا أن شروط تحقيق هذه الفوائد، مثل الدخل المستقر وسوق مفتوحة وشفافة، غير متوافرة في الواقع السوري، ما يجعل المواطن مضطرًا للتكيف مع السوق الجديدة قسريًا.
مديرية حماية المستهلك تسعى لمواكبة هذا التحول عبر سياسة رصد الأسعار في الأسواق بالمحافظات المختلفة، ومقارنة أسعار الجملة والتجزئة، وضبط الارتفاعات غير المبررة، ومتابعة توفر السلع وكمياتها، بما يشمل الخضار والفواكه والألبان واللحوم. كما تفرض المديرية إلزامًا على الفعاليات التجارية بإعلان الأسعار والأوزان بوضوح، لمنح المستهلك القدرة على الاختيار بين المنتجات حسب السعر والجودة.
مع ذلك، يرى الخبراء أن ما يحدث في الأسواق السورية لا يعكس تحررًا حقيقيًا أو منافسة صحية. فالدولة تخلّت جزئيًا عن التسعير المباشر، لكنها لم تبن سوقًا تنافسية حقيقية تتيح تعدد المنتجين وسهولة الدخول والخروج، ما يترك السوق معرضًا للفوضى، ويجعل خيارات المستهلك محدودة بقدرته المالية وطبيعة السوق غير المنظمة. غالبًا، يصبح الاختيار اضطراريًا نحو الأرخص أو الأقل جودة بسبب تراجع الدخل وغياب الحماية الاقتصادية.
يشدد الخبراء على أن الرقابة الفعالة ليست مجرد ضبط الأسعار، بل تشمل مكافحة الاحتكار وضبط حلقات التوزيع وربط الأسعار بتكاليفها الفعلية، لضمان بيئة تنافسية عادلة. وبدون هذه الرقابة، يتحوّل اقتصاد السوق الحرة إلى فوضى سعرية ومنافسة شكلية، حيث يبقى المستهلك الطرف الأضعف دائمًا.
بالنسبة لسياسة رصد الأسعار، فهي مهمة لفهم حركة السوق والتضخم، لكنها بلا ربط بتحليل التكاليف أو هوامش الربح، تبقى وصفية وغير كافية لحماية المستهلك من ارتفاعات غير مبررة. ويرى الخبراء أن ما يحدث حاليًا أقرب إلى إدارة أزمات ظرفية بدل تطبيق نموذج سوق حر متكامل، وسط اقتصاد منهك وإنتاج محدود، ما يجعل تحرير السوق خطوة شكلية لا تمنح المواطن حرية اختيار حقيقية.



