
الملف اللبناني بين واشنطن وباريس: إدارة الاشتباك العسكري والسياسي وصراع الاستراتيجيات
الملف اللبناني بين واشنطن وباريس: إدارة الاشتباك العسكري والسياسي وصراع الاستراتيجيات
تتجه أنظار اللبنانيين والعاملين بالشأن اللبناني إلى عام حاسم، حيث تتقاطع ثلاثة ملفات رئيسية تشكل مفصلية للأمن والسياسة والاقتصاد في البلاد. يتصدرها ملف السلاح، الذي يُناقش تحت عنوان “نزع السلاح” أو أحيانًا “احتواء السلاح”، يليه قانون الفجوة المالية الذي يُتوقع أن يمهد لإعادة تفعيل القطاع المصرفي وتقليص الاقتصاد النقدي، فيما يبقى الاستحقاق الثالث هو الانتخابات النيابية، التي يتوقع كثير من المراقبين صعوبة إجرائها هذا العام لأسباب سياسية وأمنية وإدارية متشابكة.
تظل الولايات المتحدة الفاعل الأكثر تأثيرًا في المسارين العسكري والسياسي بلبنان، تليها المملكة العربية السعودية التي تحافظ على قدرة واضحة في التأثير على بعض الكتل السياسية، لكنها لم تتخذ بعد مسارًا متكاملًا طويل الأمد لإدارة الملفات اللبنانية، مكتفية بلعب دور ضابط التوازن في بعض المناسبات، مثل جلسة إقرار الموازنة.
وفي المقابل، يُعتبر الحضور الفرنسي تاريخيًا ومستقرًا، مع دبلوماسية ثابتة تجاه لبنان سواء على الصعيد السياسي أو الأمني أو المؤسسي، ما يمنح باريس هامشًا مختلفًا في معالجة الأزمات مقارنة بالنهج الأميركي الذي اتسم بتدخلات كثيفة متبوعة أحيانًا بتراجع أو إعادة تموضع. أما قطر، فتتبنى موقفًا هجينًا، يجمع بين الانخراط العملي والابتعاد عن الاشتباك السياسي المباشر، إذ أعلنت عن تمويل مشاريع للبنية التحتية والكهرباء وخطط لإعادة نحو أربعمائة ألف نازح سوري إلى بلادهم، مع تجنب أي مشاركة في إعادة إعمار القرى الجنوبية قبل معالجة ملف السلاح، تماشيًا مع الشروط الأميركية.
يبرز التباين الأميركي–الفرنسي بوضوح في مقاربة ملف السلاح وآلية المتابعة الأمنية في الجنوب. فالنهج الأميركي يربط الاستقرار اللبناني مباشرة بنزع سلاح “حزب الله” ويعتمد على تحقيق إنجازات سريعة، بينما تتعامل فرنسا مع الملف كسلسلة توازنات سياسية معقدة، تركز على دعم الجيش اللبناني لاستعادة السيطرة العملياتية في الجنوب بدل فرض نزع شامل للسلاح بالقوة، وهو ما يمكن أن يخل بالاستقرار الداخلي.
وفي المقابل، تقدم مصر نموذجًا براغماتيًا، بالتركيز على “احتواء السلاح” بدلاً من نزعِه، من خلال حوار دائم مع حزب الله بعيدًا عن الإعلام، ما أضفى شرعية إقليمية على فكرة الاحتواء وجعلها خيارًا عمليًا للتعامل مع الواقع اللبناني دون تصعيد.
أما “الميكانيزم” أو آلية متابعة التفاهمات الأمنية في الجنوب، فتكشف عن اختلاف أعمق في فهم الدور السياسي للأدوات التقنية. فالولايات المتحدة تعتبرها قناة اتصال يومية لإدارة التصعيد، بينما ترى فرنسا أنها تحتاج إلى إطار سياسي واضح لتفسير المخالفات والتهديدات، وإلا فإنها تتحول إلى منصة لإدارة الاشتباك بشروط غير متكافئة، مع منح إسرائيل هامش تحرك واسع.
في العمق، يعكس التباين الأميركي–الفرنسي اختلافًا بنيويًا في إدارة الأزمات في الشرق الأوسط: من جهة السعي للضغط السريع وتغيير الوقائع بالقوة، ومن جهة أخرى إدارة الزمن وتفادي الكسر، ما يترك لبنان عالقًا في مساحة رمادية بين الضغوط الخارجية والهشاشة الداخلية، مع تبعات مباشرة على الأمن والاستقرار الاقتصادي والعسكري.



