
تل أبيب تماطل في الاتفاق مع دمشق وتحافظ على أوراقها الأمنية والسياسية
تل أبيب تماطل في الاتفاق مع دمشق وتحافظ على أوراقها الأمنية والسياسية
تواصل إسرائيل إدارة موقفها تجاه سوريا بحذر، مع إدراكها أن التوصل إلى اتفاق أمني أو سياسي مع دمشق في الوقت الحالي ليس في مصلحتها، وذلك بسبب شكوكها في استقرار السلطة السورية الجديدة وقدرتها على بسط سيطرتها على كامل الأراضي. ويأتي هذا التوجه في وقت يضغط فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب من أجل تسوية محتملة بين الطرفين.
وفق تحليلات إسرائيلية، تتركز الشكوك حول شخصية الرئيس السوري أحمد الشرع، وما إذا كانت خلفيته وماضيه تسمح له بإدارة الدولة بفعالية، خصوصًا في ظل ارتباطاته السابقة بفصائل متشددة. كما تثير قدرة دمشق على السيطرة على مناطق واسعة من البلاد قلق تل أبيب، حيث لا تسيطر الحكومة السورية على أكثر من 60% من الأراضي، وتواجه صعوبات في ضبط الجماعات المسلحة المتشددة في المعسكر المؤيد لها.
في هذا الإطار، تعتقد إسرائيل أن الإبقاء على انتشار الجيش داخل المنطقة العازلة في الأراضي السورية يشكل أداة قوة رئيسية. ويتركز هذا الانتشار في مناطق استراتيجية شمال الجبهة عند قمة جبل الشيخ وجنوب الجبهة عند المثلث الحدودي بين إسرائيل وسوريا والأردن، بهدف حماية مستوطنات الجولان، وبناء منظومة رصد واستخبارات واسعة قادرة على متابعة الوضع جنوب سوريا وشمال شرق لبنان، حيث تنشط فصائل فلسطينية و”حزب الله”.
كما تسعى إسرائيل لمنع أي هجوم مفاجئ من الأراضي السورية، من خلال إقامة “عوائق عميقة” للتحرك البري، مع الاحتفاظ بهذه المواقع كأوراق تفاوضية في حال استئناف المفاوضات مع دمشق حول الأراضي الحدودية. ويأتي هذا التوجه في الوقت الذي يضغط فيه ترامب لتحقيق اختراق دبلوماسي في الشرق الأوسط، مدفوعًا بالرغبة في تسجيل إنجاز سياسي واستجابة لمطالب دول إقليمية تسعى لإعادة إعمار سوريا.
إسرائيل تتعامل مع المحادثات الثلاثية الأميركية–السورية–الإسرائيلية في باريس بحذر، حيث مثّلها وفد منخفض التمثيل، مقابل تمثيل سوري رفيع المستوى وأميركي واسع، ما يعكس الحرص الإسرائيلي على عدم إثارة مواجهة مباشرة مع واشنطن. وتؤكد إسرائيل أن هدفها الأساسي يتمثل في حماية مكاسبها الأمنية، منع أي هجوم من سوريا باتجاه الجولان، وإبعاد القوى المسلحة عن المستوطنات وطرق الحركة، خصوصًا في جنوب الجولان، ومنع نقل الأسلحة إلى “حزب الله”.
كما تحرص تل أبيب على منع أي وجود عسكري تركي في جنوب سوريا، ما قد يقيد حرية عمل سلاح الجو الإسرائيلي، مع الالتزام بحماية الطوائف المحلية، خصوصًا الدروز في السويداء. ومن جانبها، تطالب دمشق بالانسحاب الإسرائيلي إلى خطوط اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، إلا أن إسرائيل ترى أن هذه الترتيبات لم تعد مناسبة لمواجهة التهديدات الحالية.
في المقابل، يقترح الجانب الأميركي إنشاء آلية تنسيق ثلاثية مقرها الأردن، تضم الولايات المتحدة وإسرائيل وسوريا، تهدف إلى منع الاحتكاك، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وفتح مسار لاحق للحوار المدني والاقتصادي، لكنها تقترب أكثر من إدارة الخلافات بدلاً من حلها، في ظل تمسك إسرائيل بقوتها الميدانية ومناورتها السياسية لتأجيل أي التزام نهائي حتى تتضح معالم سوريا الجديدة والدور الأميركي فيها.



