اقليمي

سوريا في مواجهة أخطر تحدياتها الداخلية: الإرهاب يعمّق الانقسامات والدولة تبحث عن الاستقرار

سوريا في مواجهة أخطر تحدياتها الداخلية: الإرهاب يعمّق الانقسامات والدولة تبحث عن الاستقرار

تمرّ سوريا بمرحلة انتقالية شديدة التعقيد على المستويين السياسي والأمني، تطال الدولة والمجتمع والأفراد على حد سواء، بما يجعلها مختلفة عن أي مرحلة انتقالية عرفتها دول أخرى عقب الحروب. فالمشهد السوري الحالي ليس انتقالاً تقليديًا للسلطة، بل تحوّل جذري يترافق مع انهيار نظام حكم استمر لعقود طويلة، قبل أن يسقط بشكل مفاجئ بعد أربعة عشر عامًا من اندلاع ثورة عام 2011، نتيجة صراع طويل مع أطراف سورية متعددة لم تنجح في توحيد رؤيتها أو أهدافها، إلى أن وصلت إلى مرحلة اليأس.

 

الحدث الذي وقع في ديسمبر/كانون الأول 2024 بقيادة “جبهة تحرير الشام” شكّل نقطة تحول صادمة قلبت المشهد السياسي والثقافي والاقتصادي، وغيّرت علاقة السوريين بدولتهم وببعضهم، وأعادت تشكيل الاصطفافات والهويات. ومع الحكومة السورية الجديدة التي تحاول اليوم بسط نفوذها الأمني والمؤسساتي على كامل الأراضي السورية، تجد البلاد نفسها أمام تحديات داخلية متزايدة تعرقل مسار التعافي والاستقرار، على الرغم من نجاح السلطة الحالية في تجاوز جزء كبير من الضغوط الخارجية بجهود سياسية ودبلوماسية حظيت بدعم عربي وإقليمي ودولي.

 

لكن تصاعد الصراعات بين أطراف داخلية مختلفة، بعضها يتحرك بدوافع سلطوية محلية ضيقة وبعضها يرتبط بأجندات خارجية، جعل من الداخل السوري ساحة أكثر خطورة من التهديدات الخارجية. وقد أسهم الاستخدام السلبي للتنوع الطائفي والإثني في تحويله إلى أداة للترهيب، حيث أصبحت التفجيرات الإرهابية رسالة تهديد موجّهة للدولة والمجتمع معًا، تستخدمها جماعات متطرفة وجهات محلية مدعومة خارجيًا بهدف نشر الفوضى ومنع قيام دولة مستقرة.

 

الهجمات الإرهابية التي استهدفت كنيسة مار إلياس في الدويلعة، وقتلت عناصر من قوات الأمن السوري وجنودًا أميركيين في تدمر، ثم تفجير مسجد الإمام علي في حمص، عمّقت المخاوف داخل المجتمع، ورفعت منسوب القلق لدى بعض المكونات، ما يزيد صعوبة جهود الدولة لإعادة ترميم الثقة وردم الفجوات التي خلّفها النظام السابق، وإعادة ترسيخ مفهوم المواطنة المتساوية.

 

هذا المناخ الهش يتيح الفرصة لاستغلال الغضب والظروف الاجتماعية الصعبة، خصوصًا في مناطق مثل الساحل والسويداء وبعض مناطق سيطرة “قسد”، حيث تسعى أطراف متضررة من سقوط النظام إلى إشعال الفتن وتقويض مسار الاستقرار، إلى جانب دور التنظيمات المتطرفة التي تعمل على تعزيز خطاب الانعزال والتحريض الطائفي وتنفيذ هجمات تستهدف الرموز الدينية والقومية لإشعال الفتنة.

 

أمام هذه التحديات، تبدو الدولة السورية مطالبة بالاستمرار في سياسة الاحتواء وبناء الثقة، وتعزيز الشرعية المجتمعية، لضمان الحصانة الداخلية في مواجهة الإرهاب ومحاولات التخريب. وهذا ما عبّر عنه الرئيس الانتقالي أحمد الشرع خلال لقائه شخصيات من الطائفة العلوية، مؤكدًا أن مستقبل سوريا يعتمد على دولة المواطنة والقانون، والعيش المشترك والثقة المتبادلة بين مكوّناتها.

 

إن مكافحة الإرهاب في سوريا لم تعد قضية أمنية فقط، بل معركة سياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية متكاملة، تبدأ بتحصين الداخل وترسيخ قيم العدالة والمساواة، بالتوازي مع الإجراءات الأمنية الضرورية، لضمان حماية المجتمع ودعم مسار بناء الدولة على أسس راسخة ومستقرة.

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce