
ما وراء تعطيل تعيين السفير الإيراني في بيروت؟
ما وراء تعطيل تعيين السفير الإيراني في بيروت؟
يتصاعد التوتر الدبلوماسي بين لبنان وإيران على خلفية ملف تعيين سفير إيراني جديد في بيروت، في أزمة تبدو أعمق من مجرد إجراء بروتوكولي، وتعكس تباينًا في مقاربة السياسة الخارجية داخل الدولة اللبنانية. فحتى الآن، لا تلوح في الأفق أي زيارة لوزير الخارجية الإيراني عباس عرقجي إلى بيروت، ما يبدد التكهنات المتداولة حول تحركات إيرانية تتصل بإعادة ترتيب المشهد السياسي أو الأمني المرتبط بحزب الله.
في المقابل، يبرز أداء وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي كمصدر جدل داخلي، إذ تؤكد مصادر حكومية بارزة أن سلوكه لا ينسجم مع السياسة الخارجية الرسمية للبنان، القائمة على مبدأ التوازن في العلاقات الدولية. وتشير المعطيات إلى أن رجي قرر، من دون مبرر دبلوماسي معلن، إبقاء طلب إيران الرسمي المتعلق بالنظر في أوراق اعتماد سفير جديد في الأدراج، من دون الرد عليه أو التواصل مع الجانب الإيراني، خلافًا للأعراف المعتمدة بين الدول التي تقيم علاقات دبلوماسية طبيعية.
هذا التأخير دفع طهران، التي كانت قد استكملت الإجراءات وفق الأصول، إلى الاستفسار عن أسباب عدم التجاوب، من دون أن تتلقى أي رد. وفي ظل هذا الجمود، لجأت إيران إلى التواصل المباشر مع رئيس الجمهورية جوزاف عون عبر قنوات قائمة مسبقًا، للاستفسار عن خلفيات التعطيل، لا سيما أن ولاية السفير الإيراني الحالي في بيروت شارفت على الانتهاء، في وقت كان لبنان قد عيّن سفيرًا له في طهران ونال موافقة إيرانية سريعة.
وبحسب المعلومات، فوجئ الرئيس عون بعدم تعامل وزارة الخارجية مع ملف الاعتماد الإيراني، ما استدعى تدخلاً مباشرًا من فريق الرئاسة للاستفسار من الوزير رجي عن أسباب التأخير، من دون الحصول على توضيحات مقنعة. وعلى وقع هذا التدخل، اضطر رجي لاحقًا إلى المباشرة بدراسة ملف أوراق الاعتماد. في المقابل، قررت طهران الإبقاء على سفيرها الحالي مجتبى أماني، رافضة خفض مستوى التمثيل الدبلوماسي إلى قائم بالأعمال.
وتكتسب القضية أبعادًا أوسع مع تداول اسم محمد رضا شيباني، وكيل وزير الخارجية الإيراني لشؤون غرب آسيا، كمرشح لمنصب السفير في بيروت. ويُعد شيباني من الشخصيات البارزة في الدبلوماسية الإيرانية، إذ شغل سابقًا منصب سفير إيران لدى لبنان خلال حرب تموز 2006، كما تولى مهام دبلوماسية حساسة في دمشق وبيروت في مراحل مفصلية، بينها فترة العدوان الإسرائيلي في أيلول 2024، حين عمل قائمًا بالأعمال بعد إصابة السفير أماني.
ويرى مراقبون أن اختيار شيباني يعكس أهمية الساحة اللبنانية بالنسبة إلى طهران في هذه المرحلة الإقليمية الدقيقة، في ظل مساعٍ دولية متزايدة لتقليص النفوذ الإيراني في غرب آسيا. ومن هذا المنطلق، تُقرأ مقاربة وزير الخارجية اللبناني على أنها تنسجم مع توجهات دولية أوسع، أو مع حسابات سياسية داخلية، أكثر منها التزامًا بالأصول الدبلوماسية التقليدية.
دبلوماسيًا، تشير أوساط مطلعة إلى أن تجاهل طلب اعتماد سفير من دون رد رسمي أو تبرير قانوني يُعد مخالفة للأعراف الدولية، التي تتيح للدولة المعنية قبول أو رفض السفير المقترح ضمن مهلة معقولة، شرط إبلاغ الطرف الآخر بالأسباب. كما أثار موقف رجي من اقتراح نظيره الإيراني زيارة طهران، وطرحه بديلاً يتمثل بدولة ثالثة، استغرابًا واسعًا، باعتباره سابقة لا تنسجم مع واقع العلاقات الدبلوماسية القائمة بين البلدين.
وفي المحصلة، تبدو الأزمة الحالية اختبارًا جديدًا للتوازن الدقيق الذي يحاول لبنان الحفاظ عليه في علاقاته الخارجية، وسط ضغوط إقليمية ودولية متزايدة، وإصرار إيراني على عدم التفريط بالحضور الدبلوماسي في بيروت، باعتباره أحد آخر مواقع نفوذها في المنطقة.



