
الساحل السوري يعود إلى الواجهة: لبنان شريك استراتيجي ومنصّة استثمار إقليمية قيد التشكّل
الساحل السوري يعود إلى الواجهة: لبنان شريك استراتيجي ومنصّة استثمار إقليمية قيد التشكّل
الساحل السوري يعود إلى الواجهة: لبنان شريك استراتيجي ومنصّة استثمار إقليمية قيد التشكّل
يعود الساحل السوري تدريجياً إلى صدارة الاهتمام الإقليمي والدولي، لكن هذه المرة من زاوية اقتصادية وتنموية، بعيداً عن مناخات التجاذب السياسي ومشاريع التقسيم التي رافقته خلال سنوات الصراع. وتشير التطورات الأخيرة إلى تحوّل استراتيجي في مقاربة الدولة السورية لدور الساحل، بوصفه رافعة اقتصادية عابرة للحدود وقادرة على لعب دور محوري في حركة التجارة الإقليمية.
وخلال الأسابيع الماضية، برزت مؤشرات واضحة على إعادة استكشاف الإمكانات الكامنة في الساحل السوري، من موقعه الجغرافي الحيوي إلى موارده الطبيعية والبشرية، في مسعى لوضعها ضمن إطار استثماري فعّال طال انتظاره. ويُعدّ العقد الموقع سابقاً بين هيئة المنافذ البحرية السورية وشركة «موانئ دبي العالمية» لاستثمار مرفأ طرطوس خطوة أولى في هذا الاتجاه، تبعتها مواقف رسمية أكدت أولوية الساحل في المرحلة المقبلة.
وفي هذا السياق، شدد الرئيس السوري أحمد الشرع في رسالة وجّهها إلى اجتماع لمحافظ اللاذقية مع وجهاء المنطقة على أن الساحل يشكّل إحدى أبرز أولويات العمل الوطني، نظراً لموقعه على ممرات التجارة الدولية ودوره في تعزيز الربط الاقتصادي بين سوريا ودول الجوار. كما عقد الشرع اجتماعاً ضمّ الشركة السورية للبترول وشركة «شيفرون» الأميركية، بحضور المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم باراك، لبحث آفاق التعاون في استكشاف النفط والغاز في السواحل السورية.
ويرى الخبير الاقتصادي والمهندس البحري سلمان ريا، الرئيس السابق لغرفة الملاحة البحرية، أن الساحل السوري يقف على أعتاب تحوّل نوعي من مجرد شريط جغرافي إلى إقليم اقتصادي متكامل، قادر على لعب دور محوري في حركة العبور الإقليمي. ويعتبر أن القيمة الحقيقية للساحل لا تكمن في البحر وحده، بل في قدرته على الربط بين المتوسط والعمق العربي والآسيوي إذا ما أُدير بمنطق التكامل والانفتاح.
ويؤكد ريا أن الحديث عن سوريا كمنصّة ترانزيت إقليمية لا يكتمل من دون لبنان، الذي يشكّل شريكاً بنيوياً لا مجرد جار جغرافي. فلبنان، بما يمتلكه من خبرات مصرفية ولوجستية وشبكات علاقات تجارية دولية، قادر على لعب دور مركز التمويل والتشغيل البحري، فيما تتحول المرافئ السورية إلى منصّة العبور والتنفيذ نحو العراق والأردن والخليج والسعودية، وصولاً إلى غرب آسيا.
ويستند هذا الطرح إلى تجارب تاريخية ناجحة في الربط البحري والبري، حيث يمكن لمرفأي اللاذقية وطرطوس أن يعيدا تعريف دور سوريا كبوابة عبور من الجنوب والشرق نحو أوروبا، مقابل دور لبناني داعم في مجالات التمويل والتأمين والخدمات اللوجستية.
كما يدعو ريا إلى إنشاء منطقة حرة ساحلية لا مركزية الإدارة، تتحول فيها المرافئ من مرافق خدمية تقليدية إلى إقليم اقتصادي مستقل وظيفياً، منفتح على خبرات إقليمية ودولية، ويعمل وفق المعايير البحرية العالمية والاتفاقيات الدولية الناظمة للملاحة وحماية البيئة البحرية.
ويؤكد أن تطوير المرافئ يجب أن يقوم على مفهوم «الاقتصاد الأزرق»، القائم على حماية البيئة البحرية وتنظيم التعامل مع المواد الحساسة والملوّثة، مع تطوير مرافئ متخصصة، أبرزها مرفق الحميدية قرب طرطوس، ليكون مركزاً إقليمياً آمناً للترانزيت الكيماوي والصناعات المرتبطة به.
وفي موازاة ذلك، يشدد على أهمية إنشاء شبكة مرافئ جافة داخل سوريا وعلى حدودها مع لبنان والأردن والعراق، بما يضمن انسيابية حركة البضائع ويخفف الضغط عن المرافئ البحرية، ويحول الساحل إلى عقدة لوجستية متكاملة لا تختنق عند البحر.
ويخلص ريا إلى أن مستقبل الساحل السوري يقوم على شراكة فعلية مع لبنان، حيث تتكامل القدرات المالية واللوجستية اللبنانية مع الموقع التشغيلي السوري، في معادلة تعيد للمتوسط دوره كجسر اقتصادي بين أوروبا والعالم العربي وغرب آسيا، وتضع سوريا ولبنان مجدداً في قلب حركة التبادل الإقليمي والدولي



