
زيارة البابا إلى لبنان تُعيد تسليط الضوء على نزيف المسيحيين في الشرق الأوسط
زيارة البابا إلى لبنان تُعيد تسليط الضوء على نزيف المسيحيين في الشرق الأوسط
نشرت صحيفة “واشنطن بوست” تقريرًا موسّعًا من بيروت أعدّه محمد الشما وسوزان هيدموس وأنطوني فايولا، تناول التحولات العميقة التي تشهدها المجتمعات المسيحية في الشرق الأوسط بالتزامن مع زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان، في أولى محطاته الدولية منذ تولّيه السدة البابوية.
يستعيد القس عصام إبراهيم ذكريات كنيسة مار يوسف المارونية في الضاحية الجنوبية لبيروت، حين كانت تحيط بها بساتين الحمضيات وتشكّل مركزًا دافئًا لاحتفالات الطقوس المسيحية، قبل أن تغيّر الحرب الأهلية وما تبعها من أزمات ديموغرافيا المنطقة بالكامل. فمع تصاعد العنف وتراجع الأمان، غادر معظم المسيحيين المنطقة، فيما انتقل إليها لبنانيون شيعة يشكّلون قاعدة أساسية لحزب الله. ويقول إبراهيم إن مقاعد الكنيسة باتت تُملأ في الغالب بالجنائز، في مشهد يختصر عقودًا من التبدّل.
ووصل البابا لاوون إلى بيروت قادمًا من تركيا، في زيارة تمتد ثلاثة أيام، تحمل رسالة متجددة لمسيحيي الشرق بضرورة البقاء على أرضهم رغم الظروف القاسية. ويأتي ذلك في وقت يشهد فيه الوجود المسيحي تراجعًا مستمرًا في المنطقة، إذ انخفضت نسبتهم — وفق مركز “بيو” للأبحاث — من 3.3 في المئة عام 2010 إلى 2.9 في المئة عام 2020. أما في لبنان، الذي كان يُعدّ أكبر معقل للمسيحية في الشرق الأوسط، فتراجع عدد المسيحيين من أكثر من نصف السكان قبل الحرب الأهلية إلى نحو 32 في المئة اليوم.
وتسببت النزاعات الممتدة في سوريا والعراق وغزة بهجرة واسعة للمسيحيين. ويقدّر قادة الكنيسة في سوريا انخفاض عدد المسيحيين من 1.5 مليون عام 2011 إلى 400 ألف فقط اليوم. كما انخفض عدد الكاثوليك المعمّدين في لبنان — بحسب بيانات الفاتيكان — من 2.07 مليون عام 2010 إلى مليوني شخص عام 2024.
ويُرتقب أن يكرر البابا خلال زيارته دعوات أسلافه للمسيحيين بالبقاء والصمود، رغم تهديدات أمنية متواصلة أبرزها الهجوم الدامي على كنيسة قرب دمشق في حزيران الماضي، المنسوب لتنظيم “داعش”. ويرى دافيد ديونيسي، المبعوث الإيطالي الخاص للحرية الدينية، أن عوامل عدة — تشمل الصراعات على الموارد، والتطرف، وضعف المؤسسات — تجعل الأقليات المسيحية عرضة للعنف المنهجي.
ويزور البابا لبنان وسط توتر إقليمي متجدد منذ هجوم “حماس” في 7 تشرين الأول 2023، وما تلاه من حرب مدمّرة في غزة وامتدادات عسكرية في لبنان وإيران. وخلال رحلته، جدّد لاوون دعوته لحل الدولتين، مؤكداً قدرة الفاتيكان على أداء دور “الوسيط” بين الجانبين. وقال إن هذا الحل، رغم رفض إسرائيل له راهنًا، يبقى “الطريق الوحيد لتحقيق العدل للجميع”.
وفي كلمته في القصر الرئاسي، شدد البابا على أهمية “التئام الذاكرة” ومعالجة الجروح الجماعية التي خلفتها عقود من الصراعات، محذرًا من بقاء المجتمعات “أسيرة آلامها” إن لم تُبذل الجهود للمصالحة.
وتزامنت الزيارة مع تجدد التوتر على الحدود الجنوبية اللبنانية وتهديد الهدنة بين إسرائيل وحزب الله بالانهيار. ورحّب الحزب في بيان بزيارة البابا، داعيًا إياه لإدانة الاعتداءات الإسرائيلية، فيما أكد نائب أمينه العام نعيم قاسم أن الجماعة تدرس الرد على اغتيال أحد قادتها مؤخرًا.
ومع ازدياد تداعيات الحرب والأزمات الاقتصادية، تستمر الهجرة المسيحية من المنطقة نحو مجتمعات الشتات في أميركا الشمالية وأوروبا وأميركا اللاتينية. ويقول المؤرخ جوشوا دونوفان إن مسيحيي الشرق الأوسط غالبًا ما يحصلون على تسهيلات في ملفات اللجوء باعتبارهم مستهدفين بسبب عقيدتهم.
ويمتد النزف أيضًا إلى بيت لحم، مهد المسيح، حيث تراجعت نسبة المسيحيين من 85% قبل 1948 إلى نحو 10% فقط عام 2017. وتؤكد الشابة هبة الأبابيش، التي تعمل أستاذة جامعية، أن الجيل الشاب يفكر بالهجرة بحثًا عن أمان وفرص أفضل، رغم أن زيارة البابا تمنحهم “وميض أمل” في زمن مظلم.
أما في سوريا، فيؤكد مطران السريان الأرثوذكس أوجين الكاس أن المسيحيين سيبقون في أرضهم مهما اشتدت الأزمات، معربًا عن أمله بأن تحمل زيارة البابا بركات ودعوات للسلام والمساواة والعدل.



