مقالات

رسائل روحية وجيوسياسية… لماذا اختار بابا الفاتيكان تركيا كأول محطة خارجية؟

رسائل روحية وجيوسياسية… لماذا اختار بابا الفاتيكان تركيا كأول محطة خارجية؟

لم يكن اختيار البابا ليو الرابع عشر لتركيا كأول وجهة خارجية بعد تولّيه السدة الرسولية في أيار/مايو الماضي مجرد خطوة بروتوكولية، بل قرار مدروس بعناية يعكس أبعاداً روحية وتاريخية وسياسية متشابكة. فتركيا، رغم تراجع الوجود المسيحي فيها إلى نسبة محدودة، لا تزال تحتفظ بمكانة جوهرية في الذاكرة المسيحية العالمية، نظراً لارتباطها الوثيق بالكنيسة الأولى ومدن مثل القسطنطينية ونيقية، اللتين شكّلتا مركزاً أساسياً للحياة اللاهوتية في القرون الأولى للمسيحية.

 

وصل البابا إلى أنقرة في 27 تشرين الثاني/نوفمبر في زيارة تستمر ثلاثة أيام، بدأت من ضريح مصطفى كمال أتاتورك، قبل أن ينتقل إلى مسجد السلطان أحمد في رسالة واضحة لتأكيد أهمية الحوار بين الأديان في زمن تتصاعد فيه الانقسامات. وشملت الزيارة أيضاً كنيسة مور أفرام السريانية الأرثوذكسية، وبطريركية الروم الأرثوذكس في فنر حيث التقى البطريرك برثلماوس ووقّعا إعلاناً مشتركاً حول وحدة المسيحيين ومواجهة التحديات المشتركة، في خطوة تحمل رمزية كبيرة على خلفية الانقسام التاريخي بين الكنيستين الكاثوليكية والأرثوذكسية منذ الشقاق الكبير عام 1054.

 

وتكتسب نيقية، المحطة الأبرز في الزيارة، أهمية استثنائية. فهذه المدينة كانت مسرحاً للمجمع المسكوني الأول عام 325 الذي أقرّ “الإيمان النيقاوي” المعتمد حتى اليوم في الطقوس الكنسية. كما احتضنت عام 787 المجمع المسكوني السابع الذي أنهى الخلاف حول تبجيل الأيقونات. ويُنظر إلى استعادة هذا الإرث بوصفه مدخلاً لفهم الحاضر وإعادة بناء التفاهم بين الكنائس في مواجهة التحديات المعاصرة، من تصاعد العلمانية إلى تهميش الأقليات.

 

ويقول المؤرخ عمر الحسون الهاشمي ” إن الزيارة تحمل رسالة دينية موجّهة إلى مختلف الكنائس المسيحية، وتأتي بمناسبة الذكرى الـ1700 لمجمع نيقية، مؤكداً أن هذا المجمع كان حدثاً مفصلياً في التاريخ المسيحي، شارك فيه 318 أسقفاً، وعُقد بدعوة من الإمبراطور قسطنطين للرد على بدعة آريوس. وفي السياق نفسه، أُقيمت صلاة المسبحة تحت عنوان “في وحدة الإيمان”، كما صدرت الرسالة الرسولية “In unitate fidei” قبيل الزيارة.

 

وتتزامن هذه التحركات مع سياق إقليمي متوتر يمتد من أوكرانيا إلى غزة، فيما تسعى تركيا إلى تكريس دورها كوسيط بين القارات والأديان. وتأتي استضافة البابا وما رافقها من انفتاح ديني في إسطنبول وأنقرة ضمن استراتيجية تركية لإبراز نموذج التعايش. وفي المقابل، ينظر الفاتيكان إلى المنطقة باعتبارها فضاءً استراتيجياً لإعادة تنشيط الحضور المسيحي وبناء شراكات مع دول ذات أغلبية مسلمة.

 

ويقول الباحث مهند حافظ أوغلو إن اختيار تركيا كأول محطة للبابا يعكس اعترافاً بدورها القيادي في الشرق الأوسط، مشيراً إلى أن التركيز على زيارة المواقع المسيحية والمسكونية يؤكد حالة التعايش الديني التي تميّز تركيا. أما زيارة الكنائس السريانية والأرمنية والكلدانية فتُعد تذكيراً بأن التنوع المسيحي في الشرق أوسع من الثنائية الكاثوليكية–الأرثوذكسية.

 

ويُتوقع أن يشكّل القداس الذي يقيمه البابا في إسطنبول قبل توجهه إلى لبنان محطة أساسية، لا مجرد ختام للزيارة، خصوصاً أنه يأتي تنفيذاً لرغبة البابا الراحل فرنسيس الذي كان ينوي زيارة نيقية عام 2025. ويؤكد المحلل مالك عبيد أن الزيارة تحمل دلالات قوية حول احترام تركيا للتنوع الديني رغم أن المسيحيين الكاثوليك لا يتجاوز عددهم مئة ألف، وأنها تسعى لإبراز التعايش كجزء من هويتها المعاصرة.

 

وفي المحصلة، لا تُعد زيارة البابا لتركيا رحلة بروتوكولية، بل مشروع دبلوماسية روحية يوظّف التاريخ ويعيد قراءة الجغرافيا السياسية، بهدف بناء مستقبل أقل انقساماً وأكثر انفتاحاً بين الأديان والكنائس.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce