اخبار فلسطين

غزة بعد الحرب: أزمات إنسانية وأمنية تتفاقم رغم وقف إطلاق النار

غزة بعد الحرب: أزمات إنسانية وأمنية تتفاقم رغم وقف إطلاق النار

بعد إعلان وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل قطاع غزة، وجد السكان أنفسهم أمام تحديات يومية أشد قسوة مما خلفته الحرب نفسها، في ظل استمرار الخروق الإسرائيلية والواقع السياسي المعلق على إمكانية تنفيذ خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وما يحيط بها من عقبات. ومنذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025، بات الغزيون يعيشون سلسلة “حروب” جديدة تمس أمنهم ومعيشتهم.

 

يرى سكان كثر أن الظروف الاقتصادية والإنسانية باتت أصعب من سنوات الحرب. ناجي المسحال، من مخيم الشاطئ، يصف الحياة بأنها “سلسلة من الطوابير”، من المياه إلى المساعدات، في ظل استمرار أزمة المياه وتبعاتها الصحية وانتشار الأمراض. ويؤكد أن وقف إطلاق النار لم ينعكس تحسناً على حياة السكان بسبب عدم التزام إسرائيل ببنود الاتفاق.

 

وفي رفح، يشتكي رباح كتكت من ارتفاع الأسعار رغم دخول بضائع جديدة إلى الأسواق. فالدواجن واللحوم والخضراوات باتت “ترفاً” لا يستطيع معظم السكان تحمل تكلفته، في وقت تتجاوز فيه أسعار اللحوم والدواجن المجمدة أضعاف ما كانت عليه قبل الحرب. ويؤكد أن الأسرة المتوسطة بالكاد تستطيع شراء الحد الأدنى من الغذاء.

 

وتزداد الأزمة تعقيداً مع شكاوى حول استئناف فرض ضرائب من قبل حكومة «حماس» على بعض السلع، رغم نفيها ذلك، ما دفع الأسعار إلى مزيد من الارتفاع وفق ما يؤكده عدد من التجار.

 

في المقابل، تواصل «أونروا» والمؤسسات الأممية تشغيل قطاعات حيوية كالصحة والتعليم والمياه، وسط نقص حاد في الوقود ورفض إسرائيلي لإدخاله، ما يعرقل تشغيل محطة الكهرباء الوحيدة. وتعمل فرق «أونروا» بحدودها الدنيا، مقدّمةً خدمات صحية وتعليمية ومساعدات لوجيستية رغم التضييقات المستمرة. وقال المفوض العام للوكالة فيليب لازاريني إن على الأمم المتحدة أن تعمل بحرية كاملة لتلبية الاحتياجات الإنسانية في القطاع.

 

ويظل ملف إعادة الإعمار في صدارة أولويات السكان بعدما دُمّر أكثر من 80 في المائة من مباني غزة. ريهام أبو شاربين من النصيرات تخشى قدوم الشتاء فيما لا تملك سوى خيمة لا تقيها البرد أو المطر. وترتبط عملية إعادة الإعمار بشروط إسرائيلية تتعلق بنزع سلاح «حماس» وتخليها عن الحكم، وهو ما يعرقل أي خطوات فعلية، وفق ما أوضحه مواطنون فقدوا منازلهم للمرة الثانية خلال عقد واحد.

 

وتشير تقارير إسرائيلية إلى أن الإعمار في المناطق الغربية “لن يبدأ” قبل تفكيك «حماس» بالكامل، في ظل رفض وزراء في الحكومة الإسرائيلية أي إعادة إعمار في المناطق التي تعتبر تحت سيطرة الحركة.

 

أمنياً، تشهد غزة حالة اضطراب متزايدة نتيجة غياب الاستقرار الداخلي واستمرار الخروق الإسرائيلية، بينما تواجه الأجهزة الأمنية التابعة لـ«حماس» صعوبات في ضبط الأوضاع، مع تسجيل حوادث قتل وسرقة واعتداءات لم يتم التعامل معها بفاعلية. وتبرز شكاوى سكان تعرضوا لجرائم دون تدخل فعّال من الشرطة، إضافة إلى حوادث قتل أثارت مخاوف واسعة.

 

كما ظهرت مجموعات مسلحة توصف بأنها “موالية لإسرائيل” في مناطق شرق غزة ورفح وخان يونس، مثل مجموعات «ياسر أبو شباب» و«حسام الأسطل»، والتي دخلت في اشتباكات متقطعة مع عناصر «حماس»، قبل أن يتراجع نشاطها مؤخراً.

 

وفي ظل هذه الأوضاع، تواصل الولايات المتحدة الدفع باتجاه تشكيل قوة دولية لقطاع غزة، وهو طرح يثير خلافات عربية وإسلامية حول ماهية مهام هذه القوة وحدودها. وفي الوقت ذاته، تؤكد القيادة الفلسطينية استعدادها لتحمّل مسؤولياتها الكاملة في القطاع.

 

بين تطلعات السكان، تتباين الآمال؛ فبينما يطالب البعض بعودة السلطة الفلسطينية لضمان الأمن وتوفير الخدمات، يرى آخرون أن مستقبلهم يكمُن في الهجرة بعد عامين من الحرب التي أحرقت فرص الشباب وحاصرت أحلامهم. ويقول عمر البحيصي من دير البلح إن “الحرب توقفت، لكن حرب المعيشة والأمان مستمرة”، بينما يرى صديقه حسن أبو عيشة أن الهجرة باتت خياره الوحيد لبناء مستقبل أفضل.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce