
لبنان بين غياب الرؤية الأمنية واستحقاق بناء استراتيجية وطنية
لبنان بين غياب الرؤية الأمنية واستحقاق بناء استراتيجية وطنية
يعيش لبنان منذ أكثر من نصف قرن بلا استراتيجية أمن وطني أو قومي واضحة، مكتفياً بتسويات ظرفية وشعارات فضفاضة من قبيل “الحوار الوطني” و”الاستراتيجية الدفاعية”، التي لم تتحول يوماً إلى سياسات فعلية للدولة. هذا الغياب أنتج سلسلة من الأزمات: حروب أهلية، احتلالات خارجية، انهيارات متكررة في المؤسسات، وصعود “اللادولة” التي فرضت سرديتها على ما تبقى من مؤسسات القانون.
اليوم، ومع تزايد المخاطر الداخلية والخارجية، تبرز الحاجة الملحة إلى مبادرة شجاعة ترسم ملامح استراتيجية أمن وطني/قومي دستورية تعيد الاعتبار إلى الدولة. هذه الاستراتيجية لا يمكن أن تنطلق إلا من الدستور، الضامن الوحيد لاحتكار الدولة للسلاح عبر الجيش والمؤسسات الشرعية، بعيداً عن الميليشيات أو القوى المتفلتة.
الأمن الوطني لا يقتصر على البعد العسكري، بل يشمل معيشة المواطن اليومية من غذاء ودواء وكهرباء وعمل وتعليم وبيئة واتصالات. عندما يشعر المواطن أن حقوقه مصانة وأن مستقبله آمن، تترسخ شرعية المؤسسات العسكرية والأمنية وتتعزز قوتها.
إلا أن بناء أمن وطني متماسك يتطلب مؤسسات دستورية فاعلة وغير مشلولة، وقضاءً مستقلاً يردع، وإدارة عامة شفافة، وأجهزة أمنية منضبطة بعقيدة وطنية جامعة. كما يستدعي أن تُتخذ القرارات داخل البرلمان والحكومة، لا عبر طاولات حوار موازية تعطل عمل المؤسسات.
موقع لبنان الجغرافي يجعله عرضة لتقلبات المنطقة، ما يفرض تحييده عن صراعات المحاور مع تعزيز انفتاحه العربي والدولي. هنا، تصبح الدبلوماسية الرسمية والعامة جزءاً لا يتجزأ من الأمن الوطني، تماماً كما هو الحال بالنسبة للمؤسسة العسكرية.
إلى جانب الدولة، يقع على عاتق المجتمع المدني، الجامعات، النقابات، والمثقفين دور أساسي في صياغة هذه الاستراتيجية برعاية مجلس الوزراء ورؤية شاملة يقودها رئيس الجمهورية. فمشاركة المواطن في القرار تجعل الاستراتيجية عقداً اجتماعياً جامعاً لا مجرد وثيقة رسمية.
ولا يمكن لأي مشروع مماثل أن ينجح من دون مواجهة إرث الحرب والانقسام، عبر مصالحة وطنية صادقة تعيد الثقة بين اللبنانيين وتربّي الأجيال الجديدة على المواطنة لا الطائفية. لكن التحدي الأكبر يبقى في الانتقال من الخطاب إلى التنفيذ بآلية واضحة، تحدد أهدافاً وجدولاً زمنياً وتضع مجلساً للأمن الوطني يتابع ويقيّم ويصحح.
بعد خمسين عاماً من الغياب، تبدو الفرصة سانحة، لكنّها تتطلب قراراً سياسياً جريئاً يضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الضيقة. فصياغة استراتيجية أمن وطني/قومي دستورية لم تعد ترفاً فكرياً، بل خيار حياة أو موت، بين كتابة صفحة جديدة أو البقاء أسرى دوامة الويلات.



