
إسرائيل تفتح «الصندوق الأسود» لملاحقة نصرالله: أسرار من حرب الظل حتى الاغتيال
إسرائيل تفتح «الصندوق الأسود» لملاحقة نصرالله: أسرار من حرب الظل حتى الاغتيال
مع اقتراب الذكرى السنوية الأولى لاغتيال الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصرالله، أزاحت وزارة الأمن الإسرائيلية الستار عن كتاب جديد يروي تفاصيل غير مسبوقة عن الرجل الذي ظل لعقود العدو الأخطر لتل أبيب. الكتاب الذي حمل عنوان “نصرالله.. أساطير لا تموت؟”، لم يأتِ من باحثين مستقلين، بل من قلب المؤسستين الأمنيتين الأكثر حساسية في إسرائيل: “الموساد” و”أمان”.
وراء هذا العمل يقف كاتبان مجهّلا الهوية، الأول مسؤول رفيع في “الموساد” عُرّف باسم “العميد ش.”، والثانية باحثة في شعبة الاستخبارات العسكرية “أمان” يُشار إليها بـ”الدكتورة ك.”. الجمع بين خبرة الجهازين الأمنيين منح الكتاب ثقلاً خاصاً، ليظهر كإنتاج مشترك لا يستهدف الجمهور الأكاديمي فحسب، بل المجتمع الإسرائيلي بأسره، في محاولة لترسيخ “وعي أمني” عام، إذ ترى تل أبيب أن كل مواطن فيها هو جندي محتمل.
الكتاب الصادر في 516 صفحة، تقدمه المواقع الأمنية العبرية كأول مرجع إسرائيلي شامل عن نصرالله، وتبيعه بنحو 30 دولاراً مع حملة دعائية مكثفة. ويصف العمل نصرالله بأنه لم يكن مجرد قائد عسكري أو سياسي، بل “رمز شبه أسطوري” جمع بين الكاريزما والجرأة والإصرار والتضحية، وشكّل المحرك الأساسي لمحور المقاومة الممتد من بيروت إلى طهران مروراً بدمشق وغزة وبغداد وصنعاء. بالنسبة للكاتبين، كان نصرالله شخصية لا يمكن تجاهل حضورها في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، حتى لحظة اغتياله التي اعتبراها نقطة تحوّل تاريخية هزّت ركائز ذلك المحور.
الكتاب يتتبع مسيرة نصرالله منذ نشأته في ضواحي بيروت وصولاً إلى تحوله إلى أبرز قائد شيعي في العالم العربي، مظهراً صورته “المتعددة الأوجه”: رجل دين ورسول أيديولوجي لملايين الأتباع، وفي الوقت نفسه خصم استراتيجي شرس لإسرائيل. ويزعم أنه استطاع بيديه تحويل “حزب الله” من قوة شبه عسكرية إلى “إمبراطورية إقليمية”، مما جعله شخصية عصية على الانكسار لعقود.
ولم يقتصر الكتاب على رسم صورة شخصية، بل ذهب إلى أبعد من ذلك بالحديث عن “حرب ظل” طويلة بدأت منذ اليوم التالي لحرب تموز 2006، عندما وضعت إسرائيل نصرالله على رأس أولوياتها الاستخباراتية. وبحسب الرواية العبرية، فإن عملية اغتياله في خريف 2024 لم تكن وليدة لحظة عابرة، بل ثمرة سنوات من العمل الاستخباري المعقد الذي مزج بين التكنولوجيا المتطورة والعمل الميداني عبر العملاء.
ويبقى السؤال المعلّق: لماذا اختارت إسرائيل اغتيال نصرالله في غرفة اجتماعات تحت الأرض، لا في مكان آخر؟ الإجابة التي تطرحها تسريبات أمنية إسرائيلية تفيد بأن الهدف لم يكن الرجل وحده، بل مجموعة من الشخصيات المركزية في الحزب، بما يعني أن العملية خُطّطت لحسم المعركة سريعاً عبر ضربة واحدة مركّبة.
ورغم ما كشفه الكتاب، يقرّ مؤلفاه بأن ما أُعلن ليس سوى “جزء يسير” من أسرار عملية الاغتيال، فيما تبقى الكثير من التفاصيل طي الكتمان لعقود مقبلة، كما جرت العادة في تاريخ العمليات السرية للموساد. لكن المؤكد أن غياب نصرالله لم يُغلق صفحة الماضي بقدر ما فتح أسئلة أكبر عن مستقبل “حزب الله” ومحور المقاومة والمنطقة بأسرها.



