مقالات

الحكومة اللبنانية تواجه تحديات الانقسام والمأزق العسكري

الحكومة اللبنانية تواجه تحديات الانقسام والمأزق العسكري

كشفت الأيام الماضية عن عمق الانقسامات داخل حكومة نواف سلام، في ظل تحولات دقيقة في مواقف بعض الوزراء، ولا سيما نائب رئيس الحكومة طارق متري، بشأن مقاربة ورقة توم باراك وملف حصر السلاح. فقد اعتبر متري أن لبنان لم يعد ملزماً بالورقة ما دامت إسرائيل لم توافق عليها، في حين تمسك رئيس الحكومة نواف سلام باعتبارها إطاراً لبنانياً معتمداً صيغ على أساس مقترحات الموفد الأميركي، وهو ما يعكس جدية الدولة في حماية سيادتها وتعزيز موقعها التفاوضي.

يتجاوز هذا التباين حدود اختلاف الرأي ليترك أثره على الاستراتيجية الحكومية، حيث يميل متري إلى التهدئة والدبلوماسية لتقليل التوتر الداخلي، بينما يتجه سلام إلى التشدد في الإجراءات وفرض سلطة الدولة، حتى لو تطلّب الأمر مواجهة سياسية. ومع ذلك، يؤكد الجميع أنّ لا مصلحة لأي طرف في إسقاط الحكومة، ما يجعل الخلافات قابلة للإدارة والمناورة بحذر.

تشير مصادر حكومية إلى أنّ هذه الانقسامات قد تلقي بظلالها على جلسة الخامس من أيلول المخصصة لمناقشة خطة الجيش لحصر السلاح، إذ ستتطلب إدارة دقيقة توازن بين تشدد سلام وميول الحوار لدى آخرين. وفي هذا السياق، يبرز دور رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون كعامل توازن يسعى إلى إدارة النقاش بحكمة ومنع أي انزلاق سياسي قد يضعف موقف الدولة أو يزيد الانقسامات، مع الحفاظ على وحدة الحكومة وحق كل طرف في المشاركة.

من المتوقع أن يكون النصاب مكتملًا بحضور وزراء ثنائي أمل وحزب الله لمتابعة تفاصيل الخطة والاستماع إلى عرض قائد الجيش العماد رودولف هيكل، إلا أنّ احتمال انسحابهم يبقى قائماً إذا طُرح التصويت أو تقرر إقرار الخطة. ويبدو المخرج المرجح هو الاكتفاء بعرض الخطة وإعطاء الوزراء مهلة إضافية لدراستها قبل رفع الجلسة للتشاور، في حين يصرّ سلام على حسم القرار خلال الجلسة، ويعمل رئيس الجمهورية بحذر لتجنب التصادم وضمان استقرار البلد، في ظل حساسية الملف داخلياً وخارجياً.

تواجه الحكومة مأزقًا خارجيًا متمثلاً في تعليق ورقة توم باراك عملياً لعدم موافقة إسرائيل عليها وعدم صدور موقف واضح من سوريا. هذا الواقع يضع الحكومة أمام تحدٍ مزدوج: الحفاظ على مرجعية الدولة كأداة تفاوضية مقابل غياب التزامات مقابلة من الأطراف الأخرى، مع ضغوط داخلية متزايدة. وتحولت الورقة، التي كانت أداة ضغط للتفاوض، إلى عبء سياسي يعرقل إمكانية الوصول إلى موقف موحّد بشأن خطة الجيش.

يبقى المشهد الحكومي معقداً، حيث تتقاطع الانقسامات الداخلية مع الضغوط الإقليمية والدولية، لتجد حكومة سلام نفسها أمام اختبار مزدوج: فرض سلطة الدولة وحماية موقعها التفاوضي من جهة، وتفادي صدام داخلي قد يضعفها من جهة أخرى. ويزيد المأزق تعقيدًا تنصّل إسرائيل من الالتزامات في ورقة باراك، ما يحوّلها من أداة تفاوض إلى عبء سياسي، ويضع لبنان أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في حماية الموقف الداخلي واستعادة المصداقية الدولية.

في المحصلة، تصبح الأيام المقبلة حاسمة ليس فقط لمسار جلسة الخامس من أيلول، بل لقدرة الحكومة على التماسك وإدارة الانقسامات وضبط الأولويات الوطنية في ملف حساس يمس الأمن والاستقرار. ويبدو أن نجاح الحكومة مرهون بمزيج من الحزم السياسي، والمرونة الدبلوماسية، والحكمة الرئاسية، لتجنّب تحوّل ملف السلاح وورقة باراك إلى فخ يضعف الدولة، وجعل التغلّب على هذه التحديات دليلاً على قدرة لبنان على حماية مصالحه وسيادته في بيئة إقليمية ودولية بالغة التعقيد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce