
لبنان بين الانهيار والأمل: نداء الدولة
لبنان بين الانهيار والأمل: نداء الدولة
يعيش لبنان اليوم واحدة من أكثر لحظاته التاريخية حساسية وخطورة. بعد قرن على ولادة الكيان وثمانية عقود على الاستقلال، يجد اللبنانيون أنفسهم أمام مفترق طرق مصيري: إما السقوط الكامل في دوامة التفكك والانهيار، أو انتهاز الفرصة النادرة لإعادة بناء دولة المواطنة السيّدة العادلة التي تحتضن تنوعهم وتحمي عيشهم المشترك. التعددية التي كانت مصدراً للغنى تحولت، في ظل غياب الدولة، إلى ساحة صراع تستغلها القوى المتربصة لفرض معادلاتها على حساب الخير العام، في فعل استنفار غرائزي تحريضي بشع. وبرغم كل هذا الانهيار، لا يزال الأمل قائماً في أن تستفيق الإرادة الوطنية الجامعة لتؤسس لعقد اجتماعي جديد، يستند إلى الدستور وروحية اتفاق الطائف، ويعيد الاعتبار لمفهوم الدولة كإطار جامع وحيد للبنانيين.
مارست منظومة المافيا–الميليشيا أبشع أشكال الانقضاض على الدولة اللبنانية، وتحولت المافيا السياسية–المالية–الاقتصادية إلى سلطة فساد منظم، نهبت المال العام ودمرت مؤسسات الدولة وأفقرت الشعب، حتى باتت معيشة المواطنين رهينة شبكات الزبائنية والمحسوبيات. وفرضت الميليشيا منطق السلاح خارج الشرعية، مستكملة إطباقها على القرار الوطني عبر مصادرة السيادة وتعطيل المؤسسات وتهديد السلم الأهلي. وهكذا أُفرغت الدولة من مضمونها، وتحول الدستور إلى ورقة معلقة، في حين انهار العيش المشترك تحت وطأة التهديد الدائم بفرط العقد الاجتماعي.
المنظومة نفسها، التي تزاوجت فيها مصالح الفساد بالعنف، ما زالت اليوم تعيد إنتاج أزماتها وتمسك برقاب اللبنانيين عبر خطاب التخويف والترهيب، بدلاً من الانفتاح على الإصلاح والانخراط في مشروع وطني جامع. الميليشيا القائمة فوق الدولة تمارس عنفاً دفيناً وحقداً عميقاً، ما يجعل الحاجة ماسة إلى مقاربة وجدانية تتوجه إلى ضمير اللبنانيين قبل عقولهم. صرخة اليوم ليست مجرد دعوة تقنية للإصلاح الدستوري أو السيادي أو الإداري أو الاقتصادي، بل نداء وجودي لاستعادة المعنى العميق للعيش معاً. المطلوب صحوة ضمير، فردية وجماعية، تذكّر كل لبناني بأن الدولة ليست غنيمة ولا ساحة صراع بين الطوائف والمصالح الضيقة، بل هي بيت الجميع وحصن العدالة والمساواة. لا خلاص للبنان إلا بعودة الدولة إلى موقعها الطبيعي، سيّدة على أرضها، حامية لمواطنيها، وراعية لتمايزاتهم تحت سقف المواطنة المحتضنة للتنوع.
قد يبدو الطريق طويلاً، وقد تحاصرنا قوى الأمر الواقع، لكن التاريخ يعلمنا أن الشعوب التي تتمسك بأملها وتصون ضميرها قادرة على الانتصار. تنقية الذاكرة الجماعية أساسية مع العدالة الانتقالية في هذا السياق المرتبك. فلنجعل من لحظة الانهيار هذه لحظة وعي جديد، ومن الألم جسراً نحو ولادة دولة المواطنة والحق والعدالة. عندها فقط، يصبح الرجاء مشرعاً وطنياً، وتتحول المعاناة إلى فرصة خلاص. العالم كله ينتظر عودة لبنان إلى دوره الحضاري. كفى انتحاراً.



