
بالذخائر العنقودية.. كيف أنهكت إيران الدفاعات الإسرائيلية
بالذخائر العنقودية.. كيف أنهكت إيران الدفاعات الإسرائيلية
شفيق طاهر -المدن
تكشف الهجمات الصاروخية الإيرانية الأخيرة على إسرائيل عن تطور لافت في طبيعة استخدام الصواريخ الباليستية، ليس فقط من حيث كثافة الإطلاق، بل أيضاً من حيث نوع الحمولة وآلية التأثير. فالمعطيات المتداولة تشير إلى أن طهران استخدمت، في عدد من الضربات، صواريخ باليستية تنثر ذخائر عنقودية في المرحلة النهائية من المسار وعلى ارتفاعات عالية، بما يحول الصاروخ الواحد من تهديد محدد إلى تهديدات واسعة، ويضع الدفاعات الجوية الإسرائيلية أمام تحدٍ تقني وعملياتي مكلف.
من هدف واحد إلى عشرات الأهداف
وفق هذه المعطيات، أطلقت إيران خلال أسابيع صواريخ باليستية على إسرائيل، وتضمّن عدد من الهجمات استخداماً مؤكداً لصواريخ عنقودية. وتختلف حمولة هذه الصواريخ تبعاً لطرازها، إذ يمكن لبعضها أن يحمل عشرات القذائف الفرعية، فيما تستطيع صواريخ أكبر حمل عدد أعلى بكثير. وتكمن المشكلة في أن إسقاط الصاروخ قبل أن يطلق ذخائره الفرعية أسهل بكثير من اعتراضه بعد ذلك، لأنه يتحول إلى قذائف صغيرة كثيرة ومتباعدة، يصعب التصدي لها.
تزداد خطورة هذا السلاح عندما تُطلق القذائف العنقودية من ارتفاعات عالية، لأنها تتوزع عندئذ على مساحة واسعة. وبدلاً من مواجهة هدف واحد واضح نسبياً، تجد أنظمة الدفاع نفسها أمام عشرات الأجسام الصغيرة والسريعة والمشتتة، ما يزيد من صعوبة التتبع والتصنيف والاعتراض في وقت قصير جداً. بهذا المعنى، لا يقتصر أثر الصواريخ العنقودية على التدمير المباشر، بل يشمل أيضاً تعقيد مهمة الدفاع الجوي وإرباكه.
معضلة الكلفة والزمن
تكمن إحدى أهم نقاط قوة هذا التكتيك الايراني في أنه يرهق الدفاعات الاسرائيلية المصممة للعمل في المرحلة النهائية وعلى ارتفاعات أدنى. فبعض الأنظمة الاسرائيلية، مثل مقلاع داود، تبقى مرتبطة بعلو ومسار اشتباك محددين، ما يقلل فعاليتها إذا جرى نثر الذخائر الفرعية على ارتفاعات عالية. أما الأنظمة مثل باتريوت، فتصبح أقل ملاءمة في مثل هذا السيناريو، وهذا ما يدفع العبء نحو الطبقات الأعلى من أنظمة الدفاع الصاروخي، مثل “ثاد” و”آرو-3″، وهي أنظمة أكثر تطوراً، لكن أيضاً أكثر كلفة وأقل عدداً.
هنا تظهر مشكلة الاستنزاف بوضوح. فالصواريخ الاعتراضية المتقدمة ليست متوافرة بأعداد غير محدودة، كما أن إنتاجها وتعويضها يحتاجان إلى وقت وتكلفة مرتفعين. وبالتالي، فإن نجاح إيران في دفع إسرائيل إلى استخدام هذه الاعتراضات ضد أهداف صغيرة أو متعددة، يعني فرض معادلة غير متكافئة اقتصادياً، وسائل هجومية أرخص نسبياً تستنزف وسائل دفاعية أغلى وأكثر تعقيداً.
ويزداد هذا الضغط بسبب ضيق الوقت. فزمن الإنذار في مثل هذه الهجمات يكون بضع دقائق، وإذا تناثرت الذخائر في وقت متأخر، فقد لا تملك الدفاعات سوى دقيقة أو دقيقتين لاتخاذ القرار والرد.
تداعيات أوسع من الشرق الأوسط
هذا الاستخدام يجعل الذخائر العنقودية أداة مزدوجة الغاية. فمن جهة، ترفع مستوى التهديد للمناطق المأهولة إذا وُجّهت نحو مراكز سكنية وصناعية. ومن جهة ثانية، تؤدي وظيفة استنزاف الدفاعات الجوية، عبر فرض تشغيلها المستمر واستهلاك مخزونها من الاعتراضات. لذلك، قد يكون الهدف من بعض هذه الضربات ليس فقط إحداث ضرر مباشر، بل أيضاً إنهاك الخصم وتهيئة الظروف لهجمات لاحقة أكثر دقة أو حساسية.
إذن، لا تقتصر أهمية هذا التطور على المواجهة بين إيران وإسرائيل. فالتكتيك نفسه قابل للتطبيق في مسارح أخرى، ولا سيما ضد القواعد الجوية والمنشآت الواسعة والمكشوفة. وهذا يثير أسئلة جدية بشأن جاهزية الولايات المتحدة وحلفائها في مناطق مثل المحيط الهادئ، حيث توجد منشآت حيوية يمكن أن تتعرض لهجمات بصواريخ عنقودية مشابهة. كما أن احتمال تبني قوى أخرى، مثل الصين أو روسيا أو كوريا الشمالية، هذا النهج أو تطويره، يزيد من خطورته الاستراتيجية.
ما الذي تكشفه هذه الهجمات؟
هكذا، تبدو المسألة أبعد من مجرد تفصيل تقني في تطور الصواريخ الإيرانية؛ إذ تعكس اتجاهاً قتالياً يضع الدفاعات الجوية أمام اختبار قاسٍ ومتواصل، ليس فقط كيف تعترض، بل كيف تتحمل، وكم مرة تستطيع أن تفعل ذلك، وبأي كلفة. وفي هذا المعنى، فإن الخطر لا يكمن في الصواريخ العنقودية وحدها، بل في قدرتها على اختبار حدود المنظومات الدفاعية الحديثة، وفرض معادلة استنزاف قد تكون آثارها التراكمية أعمق من أثر الضربة نفسها.



