
المجازر فتكت بقلب بيروت: سقوط وهْمِ الأمان الأخير
المجازر فتكت بقلب بيروت: سقوط وهْمِ الأمان الأخير
كيف يُقتل إنسانٌ في وضح النّهار؟
السُّؤال الوحيد الّذي يخطر ببال أيِّ إنسانٍ يُعاين المجازر الّتي ارتكبها الجيش الإسرائيليّ في بيروت، بكلِّ اللُّؤم والحقد والشَّرِّ الممكن.
المجازر المتنقِّلة على امتداد العاصمة بيروت، والسَّواد العظيم الّذي لفَّ شوارعها وناسها، وما تلا ذلك من تسريباتٍ إسرائيليّة عن تصعيدٍ أشدّ في السّاعات المقبلة، ليسا إلّا دليلًا حاسمًا وقطعيًّا على أنّ لبنان قد دخل الحرب توًّا، وأنّ بيروت، العاصمة والحاضنة، باتت هدفًا إسرائيليًّا مباشرًا.
وفيما كانت العاصمة وأبناؤها والنّازحون إليها يحاولون التقاط أنفاسهم، على أمل وقف إطلاق نارٍ هشّ، صُعقوا بالمجازر الّتي لفَّت مدينتهم. وفي طقس ربيعي شمس ساطعة، وفيما النّاس يمارسون يوميّاتهم بتحاملٍ ثقيل، جاءت إسرائيل وقتلتهم في وضح النّهار.
إيقاع المدينة المتوجِّسة تغيَّر في ثوانٍ أمام الموت الماحق، أمام “الأربعاء الأسود”. وفي ذلك كلّ خذلان العالم.
مجازر في كلّ نواحي بيروت
في كورنيش المزرعة، في مار إلياس، في الرّوشة، وفي شوارع بيروت كلِّها، يطفو الموت قاسيًا، ويتمدَّد كأنّه قدرٌ أُنزِل فجأةً على المدينة. الموت العميم الّذي حلَّ بالعاصمة، وحتّى لحظة كتابة هذا التّقرير، رفع الحصيلة إلى ما يربو على 300 ضحيّة بين شهيدٍ وجريح، فيما كانت فرق الإسعاف والدّفاع المدنيّ لا تزال تنتشل الضّحايا من تحت الرُّكام، وتبحث بين الخرسانة المتهالكة عن أنفاسٍ أخيرة، وعن أجسادٍ لم يُعرف أصحابها بعد.
في كورنيش المزرعة، أربع غاراتٍ متتالية، بصواريخ ثقيلة، ضربت الطّوابق العليا من مبنًى مكتظّ، وأصابت هنغارًا مجاورًا، كما طاولت “سنتر” يضمّ عياداتٍ ومكاتب ومحالّ تجاريّة. هنا، في هذا المكان بالذّات، لم يَعُد من الممكن التّمييز بين مدنيٍّ وواجهة محلّ، بين غرفة طبيبٍ وكتلة إسمنت، بين زجاج نافذةٍ وأشلاء تناثرت على مسافاتٍ بعيدة.
بحسب ما أكّدته فرق الدّفاع المدنيّ في حديثها إلى “المدن”، فإنّ عشرات الضّحايا سقطوا في هذه البقعة وحدها، فيما ظلّت عمليّات البحث والإنقاذ مستمرّةً لساعات، وسط ترجيحاتٍ بوجود مزيدٍ من المفقودين تحت الأنقاض. رجال الإنقاذ كانوا يحفرون بأيديهم أحيانًا، حين تتأخّر الآليّات أو تعجز عن بلوغ الجيوب الضيّقة بين الرُّكام.
غبارٌ كثيف، رائحة البارود والإسمنت المحترق، والصّراخ يعلو من كلّ جهة، صراخ ناجين، وصراخ أقرباء، وصراخ مسعفين يطلبون إفساح الطّريق لحمل جريحٍ آخر.
ورصدت “المدن” خلال جولتها الميدانيّة أشلاءً بشريّةً موزَّعةً في مكان الغارة، وقد تطاير بعضها إلى مسافاتٍ بعيدة. أحذيةٌ فرديّة، حقائب يد، وملفات مرضى مبعثرة على الأرصفة وبين الزّجاج المتكسِّر، كلُّها كانت شواهد صامتة على أنّ الصّواريخ لم تضرب حجرًا فقط، بل مزَّقت حياةً كاملةً، وقطعت يومًا عاديًّا لسكّانٍ لم يكونوا يتوقّعون أن يصبحوا، في ثانيةٍ واحدة، أسماءً على لوائح المستشفيات أو تحت الرُّكام.
من موقع الغارة: المدينة تبدو كلُّها هدفًا
المشهد في كورنيش المزرعة لم يكن معزولًا عن بيروت، بل بدا كأنّه صورةٌ مكبَّرة عمّا جرى في بقيّة أحيائها. في مار إلياس، تكرَّرت الفوضى نفسها، الإسعافات، الوجوه المذعورة، الزّجاج الّذي غطّى الأرصفة، والنّاس الّذين خرجوا من أبنيتهم يركضون بلا اتّجاه. وفي الرّوشة، الواجهة البحريّة الّتي لطالما مثَّلت متنفَّسًا للعاصمة، بدت بدورها مشدوهةً تحت وطأة الأخبار المتلاحقة، وصفّارات الإسعاف الّتي لم تهدأ.
لم تَعُد بيروت، بعد هذا اليوم، مدينةً تتلقّى صدمةً موضعيّة هنا أو هناك، بل مدينةً بكاملها تحت وطأة الاستهداف. هذا ما تقوله الشّوارع، وما تقوله حركة النّاس، وما يقوله الذُّعر الممتدّ من حيٍّ إلى حيّ. كلُّ منطقةٍ كانت تتلقّى نبأ الغارة على أنّ الدّور قد يأتي إليها بعد دقائق.
المجزرة الّتي انسحبت على كلّ بيروت
ما جرى لم يكن مجزرةً في شارعٍ واحد، ولا ضربةً محدودةً في نطاقٍ جغرافيٍّ ضيّق. لقد انسحب أثر المجزرة على كلِّ بيروت، على مزاجها العامّ، على وجوه سكّانها، على أعصاب النّازحين إليها أصلًا طلبًا للأمان. من غرب العاصمة إلى شرقها، ومن أحيائها الشّعبيّة إلى شوارعها المكتظّة بالمحالّ والمقاهي، كان الخوف واحدًا، والحداد واحدًا، والشّعور العارم بأنّ المدينة كلّها صارت مكشوفةً أمام آلة قتلٍ لا تتورّع عن شيء.
في تصعيدٍ خطيرٍ جدًّا، شنَّ طيران العدوّ الإسرائيليّ موجة غاراتٍ متزامنةً على العديد من المناطق اللّبنانيّة، ما أوقع، في حصيلةٍ أوّليّة، عشرات الشّهداء ومئات الجرحى. لكنّ وقع هذا التّصعيد على بيروت كان مختلفًا، لأنّه أصابها في القلب، ولأنّه حمل رسالةً واضحةً بأنّ العاصمة دخلت، من دون مواربة، في صلب بنك الأهداف.
ولم يكن ما أعقب المجازر من تسريباتٍ إسرائيليّة عن نيّة التّصعيد في السّاعات المقبلة سوى زيادةٍ في منسوب الذّعر العامّ. فبيروت الّتي كانت تحاول أن تتماسك، ولو بالحدّ الأدنى، وجدت نفسها أمام نهارٍ مفتوحٍ على الاحتمالات الأسوأ، وأمام ليلٍ يُنتظر فيه المزيد من الغارات، والمزيد من الضّحايا، والمزيد من الخراب.
الأربعاء الأسود
من موقع الغارة، يصعب العثور على لغةٍ كافية لوصف ما جرى. كلُّ مفردةٍ تبدو ناقصةً أمام هذا القهر والعنف. هنا، في قلب بيروت، لم تقتل إسرائيل أشخاصًا فقط، بل حاولت قتل الإحساس العاديّ بالحياة، الإيمان بأنّ النّهار أقلُّ فتكًا من اللّيل، وأنّ الشّوارع المأهولة، والعيادات، والمكاتب، والمحالّ، أماكنُ آمنةٌ بطبيعتها.
إنّه أربعاء المدينة الأسود.



