
هل يمكن أن تصبح إسرائيل قوة عظمى؟ قراءة في طموحات نتنياهو وحدود القوة الإسرائيلية
هل يمكن أن تصبح إسرائيل قوة عظمى؟ قراءة في طموحات نتنياهو وحدود القوة الإسرائيلية
أثار خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي أعلن فيه نجاح عملية اغتيال علي لاريجاني وتعهد بتحقيق النصر، جدلاً واسعًا بعد حديثه عن اقتراب إسرائيل من التحول إلى «قوة عظمى عالمية» إلى جانب الولايات المتحدة. غير أن هذا الطرح يواجه تشكيكًا لدى العديد من المحللين الذين يرون أن الحديث عن مكانة عالمية بهذا الحجم يتجاوز الإمكانات الواقعية لإسرائيل، رغم ما حققته من تفوق عسكري وتكنولوجي في المنطقة.
في علم العلاقات الدولية، يُفرَّق بين «القوة العظمى» و«القوة الكبرى» من خلال مدى النفوذ العالمي والقدرة على التأثير في مجريات الأحداث عبر مناطق متعددة من العالم في الوقت نفسه. فالقوة العظمى تمتلك منظومة متكاملة من عناصر القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية التي تتيح لها فرض حضورها في النظام الدولي.
وتشمل هذه العناصر القدرة على استخدام القوة الصلبة عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا، إضافة إلى امتلاك وسائل انتشار عسكري عالمي مثل الأساطيل البحرية العابرة للمحيطات، والقاذفات الاستراتيجية بعيدة المدى، وشبكة من القواعد العسكرية المنتشرة حول العالم. كما يُعدّ الردع النووي المتكامل أحد أهم ركائز هذه المكانة، إلى جانب اقتصاد ضخم قادر على التأثير في التجارة العالمية، وعملة تُستخدم على نطاق واسع كاحتياطي دولي.
وتتمتع القوى العظمى أيضًا بثقل دبلوماسي كبير داخل المؤسسات الدولية، بحيث يصعب معالجة القضايا العالمية الكبرى من دون مشاركتها. كما تلعب شبكة التحالفات العسكرية والسياسية دورًا أساسيًا في توسيع نفوذ هذه الدول وتعزيز قدرتها على التأثير في النظام الدولي.
لكن هذه الشروط، وفق العديد من التحليلات، لا تنطبق بالكامل على إسرائيل، التي تُصنَّف غالبًا كقوة إقليمية تمتلك قدرات متقدمة في بعض المجالات لكنها لا تتمتع بالانتشار العالمي الذي يميز القوى العظمى. فالعوامل الجغرافية تمثل أحد أبرز التحديات، إذ إن مساحة إسرائيل المحدودة وافتقارها إلى عمق استراتيجي واسع يجعلانها أكثر عرضة للتهديدات في بيئة إقليمية معقدة.
كما أن حجم السكان المحدود والموارد الطبيعية المتواضعة يشكلان عنصر ضغط إضافيًا، في حين تعتمد الدولة بشكل كبير على العلاقات الخارجية لتأمين احتياجاتها من الطاقة والمواد الخام. وعلى الرغم من امتلاكها اقتصادًا متقدمًا قائمًا على التكنولوجيا والابتكار، فإن هذا الاقتصاد يبقى مرتبطًا بسلاسل التوريد العالمية.
أما على الصعيد العسكري، فرغم التطور التكنولوجي الكبير الذي يميز الجيش الإسرائيلي وقدرته على تنفيذ عمليات بعيدة المدى، إلا أن الحفاظ على انتشار عسكري واسع ومتزامن في مناطق متعددة من العالم يبقى أمرًا صعبًا من دون دعم لوجستي من حلفاء أقوياء، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة.
ويُضاف إلى ذلك أن إسرائيل، على خلاف القوى العظمى التقليدية، لا تمتلك أيديولوجية عالمية قادرة على استقطاب تحالفات دولية واسعة تقودها أو تعتمد عليها في توسيع نفوذها السياسي.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن إسرائيل تمتلك عناصر قوة نوعية مهمة، أبرزها التفوق في المجالات الاستخباراتية والتكنولوجية، إضافة إلى قدرتها على العمل ضمن شبكات معقدة تتجاوز حدودها الجغرافية، وهو ما يمنحها نفوذًا ملحوظًا في بعض الملفات الدولية.
مع ذلك، يرى كثير من المحللين أن هذا النفوذ يبقى محدودًا بسقف واضح، إذ إن اعتماد إسرائيل الكبير على الدعم الأميركي عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا يجعل دورها العالمي مرتبطًا بالقدرة الأميركية أكثر مما هو قائم بذاته. لذلك، وعلى الرغم من مكانتها الإقليمية القوية، فإن تحولها إلى قوة عظمى مستقلة يبقى احتمالًا بعيدًا في ظل المعايير التقليدية التي تحكم النظام الدولي.



