
ترامب ونتنياهو والخرائط: سوريا ترفض ولبنان يخشى “المتصرفية
ترامب ونتنياهو والخرائط: سوريا ترفض ولبنان يخشى “المتصرفية
منير الربيع -المدن
دونالد ترامب يريد تغيير العالم. بنيامين نتنياهو يريد تغيير الشرق الأوسط. ما بين الطموح والجموح، تتغير خرائط، تُهجّر شعوب، تُسحق مدن وقرىً وبلدات، تتبدل توازنات وتحالفات، تضيع أعمار، بينما يحاول الرجلان تغيير الأقدار. عبّر ترامب عن غضبه المتجدد والمتزايد من حلف الناتو ودوله. هو في الأساس يريد الانسحاب من الحلف والتوقف عن دعمه، ليأتي موقف الأوروبيين متعارضاً مع هجمة الولايات المتحدة الأميركية في حربها على إيران. ذلك سيدفع ترامب إلى الإصرار على وجهة نظره أكثر لجهة التباعد عن الاتحاد الأوروبي والبحث عن تحالفات أخرى، وهذا ما يسهم في تغيير الموازين على الساحة الدولية. ما يسري على أوروبا، يطبقه ترامب مسبقاً في أميركا اللاتينية، أما مشروعه في الشرق الأوسط فمفتوح ومتواصل بالتكامل والتضافر مع نتنياهو الذي يتحدث عن توسيع إسرائيل بالسطو على خرائط وجغرافيات أخرى.
نتنياهو والسطو على الأرض
مشكلة ترامب مع الأوروبيين، ستتوسع أكثر، وهي كانت قد تجددت منذ أراد ضم غرينلاند. أما حرب نتنياهو المفتوحة على المنطقة ككل، فتزداد شراسة وشراهة لقضم المزيد من الأراضي، وهو المشروع الذي انتقل فيه إلى لبنان من خلال عملية التوغل البري والإعلان الصريح عن تدمير قرى الخط الأمامي في الجنوب، واحتلال أراض ونقاط جديدة. جموح نتنياهو لن يتوقف عند حدود جنوب لبنان، ولا عند حدود الضفة الغربية أو غور الأردن أو غزة، بل وصل إلى سوريا التي سعى فيها إلى تثبيت سيطرته على مساحات جغرافية أيضاً. سوريا التي ستواصل إسرائيل الضغط عليها لدفعها إلى صراع مع حزب الله، أو أن تل أبيب ستسعى إلى افتعال المشكلة التي تؤدي إلى محرقة على الحدود اللبنانية السورية، وبحال لم تنجح فلن يتوانى رئيس الوزراء الإسرائيلي عن التوغل باتجاه البقاع والكشف عن شراهة جديدة بالسطو على مواقع وأراض على الحدود اللبنانية السورية.
حرب أهلية
الضغوط الأميركية الإسرائيلية على سوريا مستمرة، لوضعها في موضع الصراع العسكري مع حزب الله. في هذا السياق، عقد الأمريكيون بعد اندلاع الحرب على إيران، لقاءاتٍ أمنية مع مسؤولين سوريين وإسرائيليين بهدف الضغط على دمشق للتدخل في البقاع وضرب حزب الله، تحت عنوان القضاء على صواريخه هناك. رفضت دمشق كل الضغوط، وساندتها في ذلك كل من المملكة العربية السعودية، دولة قطر، مصر، وتركيا، إذ شجعت هذه الدول سوريا على الثبات على موقفها، وتدخلت مع الولايات المتحدة الأميركية لوقف الضغط على الرئيس السوري أحمد الشرع الذي أعلن بوضوح أنه لا يريد التدخل بلبنان ولا تكرار تجارب سابقة، كما أن المساعي التي بذلت مع واشنطن شددت على أن أي تحرك سوري باتجاه لبنان سيؤدي إلى حرب أهلية لا أحد يعلم إلى أين يؤدي شرها المستطير في المنطقة.
إغراءات وضغوط
من ضمن الضغوط التي مورست على سوريا للتدخل في البقاع وإشغال حزب الله في الحرب، جرى تقديم إغراءات حول عقد المزيد من اللقاءات التفاوضية السورية الإسرائيلية، على مستويات أمنية، وسياسية لاستكمال المفاوضات والوصول إلى اتفاقات وشراكات اقتصادية. كما أن ما أريد الاستفادة منه عبر التحرك السوري لو حصل، هو الدخول إلى مساحات واسعة من البقاع، وخوض قتال لتفكيك أو تفجير مواقع حزب الله التي تحتوي على صواريخ بالستية، لا سيما أن واشنطن وتل أبيب تعلمان أن دمشق لديها كل الإحداثيات عن مخازن الصواريخ التي بحوزة حزب الله، خصوصاً أن كل الصواريخ والأسلحة التي كانت تمر من سوريا إلى لبنان أيام نظام بشار الأسد، كان هناك إشراف عليها من قبل ضباط سوريين، وهؤلاء هم الذين كانوا يشرفون على عملية نقل الصواريخ أو تخزينها في سوريا، ولديهم الإحداثيات الكاملة لمواقع الحزب، وهذه الإحداثيات كلها أصبحت لدى القيادة السورية الجديدة.
الإحداثيات
هذا ما تريد واشنطن أن تستفيد منه، إما عبر دفع سوريا للتدخل، أو عبر زيادة منسوب التنسيق الأمني والعسكري والاستخباري مع إسرائيل، وبناء على هذا التنسيق تدفع سوريا إلى إعطاء معلومات عن هذه الاحداثيات. السياق الذي تحاول واشنطن استخدامه هنا، هو أن نظام الأسد وبعد استخدامه للأسلحة الكيمائية، وبعد الصفقة التي أبرمت مع روسيا في العام 2012 لإخراج السلاح الكيماوي من سوريا، جرى نقل البعض منها إلى البقاع وهي مخزنة في مواقع جردية يصعب الوصول إليها. علماً أن هذه المعلومات غير صحيحة بالنسبة إلى اللبنانيين.
التجارب السابقة
جانب من الضغط الأميركي الإسرائيلي المشترك على سوريا، انطلق بالأساس بالاستناد إلى تجارب سابقة، كمثل تجربة تفاهم عُقد في سبعينيات القرن الفائت بين هنري كيسنجر وحافظ الأسد، بأن تدخل إسرائيل إلى جنوب لبنان مقابل أن تدخل سوريا إلى البقاع، وبعدها توسع التدخلان. منذ أشهر تحدث توم باراك عن “عودة لبنان إلى بلاد الشام”، وهو أحد عناصر الضغط الذي مورس على الدولة اللبنانية لدفعها إلى الوقوف بوجه حزب الله، وأنه بحال لم تلتزم بذلك فعندها يمكن إطلاق يد سوريا على الساحة اللبنانية.
رفض مطلق
بناء عليه، استمرت محاولات إقناع سوريا للتدخل في البقاع، تدخل يمكنه أن ينطلق من سرغايا، باتجاه معربون، حام، الخريبة، جنتا والنبي شيت، ومن عسال الورد باتجاه الطفيل وبريتال، على قاعدة أن الهدف هو إحكام السيطرة على كل المناطق التي يتم تخزين الأسلحة فيها، على أن لا يتجاوز عمق الدخول بلدة طليا. ولكن بالنسبة إلى سوريا هناك رفض مطلق للتوغل داخل لبنان، وللدخول في أي معركة ضد حزب الله. فما تقوم به دمشق هو تعزيز قواتها العسكرية على الحدود لمنع حزب الله من الدخول إلى سوريا أو استخدام أراضيها، كما أنها تبدي تخوفاً من ضغط إسرائيل على حزب الله لدفعه باتجاه سوريا وافتعال الاشتباك بين الجانبين.
هواجس
ما تتخوف منه دمشق هو أن تدفع إسرائيل بمقاتلي حزب الله للخروج من الجنوب والبقاع باتجاه الجرود الممتدة بين البقاع وسوريا، وتحديداً منطقة وادي ميرا، وهي منطقة جردية واسعة فيها مواقع وتحصينات كان حزب الله قد تمركز فيها خلال مشاركته في الحرب السورية ، خصوصاً لدى خوض معركة الجرود والقلمون، كما أن دمشق تتخوف من أي انتقال لحزب الله من الهرمل باتجاه القصير ومحيطها، وهو ما تعتبره خطراً على حمص وعلى الساحل. لكنها حتى الآن تشدد على موقفها الرافض لأي تدخل، لا سيما أن أي تدخل سوري في لبنان سيؤدي إلى حرب أهلية أولاً، وثانياً إلى استقطاب طائفي ومذهبي، وثالثاً قد يكون مقدمة لتقسيم لبنان بين منطقة تسيطر عليها إسرائيل، ومنطقة تسيطر عليها سوريا، ومنطقة أخرى تطمح للاستقلال والعودة إلى تجربة جبل لبنان أيام المتصرفية.



