
لبنان في لحظة مفصلية: صراع على هوية الدولة ومستقبل الفكرة اللبنانية
لبنان في لحظة مفصلية: صراع على هوية الدولة ومستقبل الفكرة اللبنانية
يمرّ لبنان بمرحلة شديدة التعقيد يصعب توصيفها بالمفردات السياسية التقليدية، إذ يعيش البلد، ولا سيما في جنوبه، حالة من القلق الجماعي في ظل تطورات إقليمية متسارعة أدخلته في مرحلة حساسة تتجاوز في خطورتها التحديات الأمنية المباشرة. ويبدو أن الأزمة لم تعد تقتصر على مؤسسات الدولة أو على التوازنات السياسية المعتادة، بل باتت تمسّ جوهر فكرة لبنان نفسها.
وتشير التقديرات إلى أن البلاد دخلت مرحلة من التآكل البطيء في بنيتها السياسية والاجتماعية، حيث ما زال جزء كبير من الطبقة السياسية يتعامل مع الصراع وفق منطق التسويات الداخلية التقليدية، فيما تبدو المعادلات الإقليمية مختلفة تمامًا. ففي النزاعات الحالية تسعى قوى كبرى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل إلى تحقيق مكاسب واضحة أو إلحاق خسائر كبيرة بالخصوم، بينما تخوض إيران صراعًا تعتبره وجوديًا، ما يجعلها أكثر استعدادًا لتحمل كلفة المواجهة.
وفي قلب هذا المشهد يبرز دور «حزب الله» بوصفه أكثر من مجرد تنظيم عسكري أو سياسي، إذ تطوّر عبر السنوات ليصبح جزءًا من بنية فكرية واجتماعية عميقة داخل بيئته الحاضنة. هذا الاندماج بين التنظيم والمجتمع يفسّر جانبًا من الصلابة التي تظهر في مواقف هذه البيئة، ويجعل فهمها من الخارج أكثر تعقيدًا.
وفي هذا السياق، يرى بعض المراقبين أن فكرة المقاومة في لبنان ليست خيارًا سياسيًا عابرًا، بل ترتبط بوجود الاحتلال الإسرائيلي، معتبرين أن أي تسوية حقيقية للصراع تبقى مرتبطة بانسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي اللبنانية. ويعتقد أصحاب هذا الرأي أن النقاش لا يدور حول كلفة الحرب بقدر ما يدور حول كلفة الاستسلام، التي يرون أنها أعلى بكثير.
ويشدد هؤلاء على أن الحرب الجارية ليست صراعًا فئويًا داخليًا، بل مواجهة أوسع تتعلق بمستقبل لبنان ككل، مشيرين إلى أن الانقسامات الطائفية التي تظهر في الخطاب السياسي قد تكون نتيجة محاولات لإضعاف الجبهة الداخلية. وفي المقابل، يؤكدون أن فكرة المقاومة سبقت نشوء «حزب الله» وستبقى قائمة ما دام الاحتلال موجودًا.
سياسيًا، يربط هذا التوجه نهاية الحرب بانسحاب إسرائيلي كامل، وهو موقف يتقاطع مع الطروحات التي يدعمها رئيس مجلس النواب نبيه بري، وسط تحذيرات من أن أي تسوية خارج هذا الإطار قد تفتح الباب أمام مسارات تطبيع أو تنازلات تدريجية في ظل اختلال ميزان القوى.
وفي الوقت نفسه، يدور نقاش داخلي حول مفهوم الدولة نفسها، حيث يطرح البعض رؤية لدولة قادرة على حماية البلاد بجميع الوسائل المتاحة، سواء عبر قدراتها العسكرية الرسمية أو عبر الأدوات الدبلوماسية والسياسية.
وتنعكس هذه التعقيدات بوضوح داخل المجتمع الجنوبي، حيث أصبحت الحرب جزءًا من التجربة اليومية للسكان، نتيجة سنوات طويلة من التوترات والصراعات المتراكمة. ومع استمرار المواجهة الإقليمية، يطرح كثيرون سؤالًا أساسيًا حول قدرة لبنان على الاستمرار بصيغته الحالية.
حتى في حال تكبد «حزب الله» خسائر كبيرة في أي مواجهة، يرى مراقبون أنه قد يعلن انتصارًا من منظور وجودي أو سياسي، وهو مفهوم مختلف عن المعايير العسكرية التقليدية للنصر والهزيمة. وفي المقابل، يشعر جزء من اللبنانيين بأن الخسارة الحقيقية قد تطال فكرة الدولة نفسها، خصوصًا مع تراجع الثقة بالمشروع اللبناني القائم على التعددية والعيش المشترك.
ويستعيد البعض في هذا السياق ذكرى التحركات الشعبية التي شهدها لبنان عام 2005، والتي بدت حينها وكأنها لحظة جامعة أعادت إحياء فكرة الدولة. إلا أن تلك اللحظة لم تتحول إلى مسار سياسي مستدام، ما أدى لاحقًا إلى عودة الانقسامات وتعقّد المشهد الداخلي.
ويرى مراقبون أن الحرب الحالية كشفت هشاشة التوازنات اللبنانية، حيث عادت الطوائف إلى هواجسها الأولى، وبدأ كل مكوّن اجتماعي يعيد النظر في موقعه ضمن الكيان اللبناني. فهناك من يتجه نحو عمقه العربي، فيما تتماسك بيئات أخرى حول خياراتها السياسية والأمنية، بينما تبحث مجموعات أخرى عن صيغ لامركزية أو ترتيبات مختلفة لحماية مصالحها.
هذه المسارات، بحسب بعض القراءات السياسية، لا تعزز التوازن الداخلي بقدر ما تزيد من حدة الانقسامات وتضعف فكرة العيش المشترك. ومن هنا تبرز الدعوات إلى العودة إلى الدستور كمرجعية تنظم العلاقة بين اللبنانيين وتحافظ على ما تبقى من مؤسسات الدولة.
ولطالما شكّل لبنان أكثر من مجرد دولة صغيرة في الشرق الأوسط، إذ ارتبط اسمه بفكرة سياسية وثقافية قائمة على الحرية والتنوع والانفتاح. لذلك فإن اهتزاز هذا النموذج لا يعني خسارة داخلية فحسب، بل يطرح تساؤلات أوسع حول مستقبل هذا النموذج في المنطقة.
وتشير بعض القراءات إلى أن جذور الأزمة تعود إلى طبيعة التوازنات التي نشأ عليها لبنان منذ تأسيسه عام 1920، حيث قام النظام على معادلات طائفية دقيقة بقيت عرضة للاهتزاز مع كل تغير إقليمي. ومع مرور الوقت، استمر البلد بفعل توازنات خارجية أكثر مما استمر نتيجة تماسك داخلي قوي.
وبعد عام 2005، لم تنجح القوى السياسية في بناء دولة قوية، بل دخل لبنان مرحلة جديدة من التأثيرات الإقليمية، تزايدت حدتها مع تطورات المنطقة منذ عام 2012، ما ساهم في تعميق الانقسامات الداخلية.
ويحذر بعض المراقبين من أن استمرار هذا المسار قد يقود إلى أخطر السيناريوهات، مثل إعادة الفرز بين اللبنانيين أو اندلاع اشتباكات متفرقة في ظل الاحتقان السياسي والاقتصادي المتصاعد. وفي المقابل، يرى آخرون أن الحل يبقى في استعادة الدولة لدورها المركزي وتوحيد السلاح تحت سلطتها.
ومع تراجع الثقة بالمؤسسات الرسمية، تبدو فكرة الدولة نفسها موضع اختبار، حيث باتت بعض المجتمعات المحلية تتصرف وكأنها كيانات منفصلة تبحث عن وسائلها الخاصة للحماية والاستقرار.
في هذه اللحظة الحساسة، يبرز سؤال جوهري يتجاوز الحرب نفسها: هل ما زال اللبنانيون يؤمنون بالمشروع المشترك الذي جمعهم لعقود؟ أم أن كل جماعة باتت تبحث عن خلاصها الخاص داخل حدود هذا البلد؟
فالدول لا تعيش بالجغرافيا وحدها، بل بالفكرة التي تجمع شعوبها. وعندما تتراجع هذه الفكرة، يصبح الخطر أكبر من الأزمات الاقتصادية أو الأمنية، لأنه يهدد الأساس الذي يقوم عليه الكيان نفسه.
في ظل هذا المشهد المعقد، قد يكون الخيار الواقعي أمام اللبنانيين هو محاولة حماية ما تبقى من الاستقرار وتقليل الخسائر، وتجنب الانزلاق إلى سيناريوهات أكثر خطورة، لأن فقدان الرسالة التي قام عليها لبنان قد يكون التحدي الأكبر الذي يواجهه البلد في تاريخه الحديث.



