اقلام حرة

لبنان ومخاطر عدم الذهاب إلى التفاوض

لبنان ومخاطر عدم الذهاب إلى التفاوض
كتب العميد االركن خالد حماده في “اللواء”:

تواكب مبادرات رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون للتفاوض المباشر مع إسرائيل عودة الوضع الميداني في الجنوب وبيروت والبقاع إلى ما قبل توقيع اتّفاق وقف الأعمال العدائية في 27 نوفمبر 2024. تؤشر الحرب الدائرة إلى تعليق العمل بكل القرارات التي اتّخذت في مجلس الوزراء المتعلقة بحصرية السلاح واستعادة قرار الحرب والسلم بفعل فشل كل الإجراءات التي لم تكن سوى نموذجاً جديداً للمساكنة مع سلاح حزب الله في ظل اتّفاق وقف إطلاق النار.

وبالتوازي مع بلوغ المواجهات بين حزب الله وإسرائيل نقطة اللاعودة مع سقوط حوالي 900 لبناني ونزوح أكثر من مليون مواطن من قراهم، يحاول عون جاهداً من خلال مبادراته الإبقاء على مساحة ودور في جغرافيا يتقاسم قرارها كل من إسرائيل وحزب الله بعد أن أقصت الإجراءات المتخذة الدولة إلى موقع المراقب الذي تخلف عن مواكبة الحدث وافتقد عناصر القوة اللازمة للإنتقال إلى موقع التفاوض.

تعبَر كثافة المبادرات التي تطلق في كل إتجاه دون القدرة على إحداث أي إختراق عن عجز فاضح في تشكيل أي إضافة في المشهد الميداني القائم أو في المشهد السياسي الذي يترنح على وقع ما أفضت إليه خطط حصرية السلاح. إن مقارنة بسيطة بين ردود الفعل التي أعقبت مبادرة التفاوض الأولى التي أطلقها عون بعد زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان في ظلّ إجراءات حصرية السلاح، والتي أدت تلقائياً إلى تسمية السفير سيمون كرم وانعقاد جولات التفاوض وما أحاط بالمبادرة الأخيرة من فشل تؤكد التراجع المتزايد في دور الدولة في المشهد المقبل على لبنان.

لم تقتصر تداعيات تخلي الدولة عن الإمساك بمجريات الميدان على فشل مبادرات التفاوض بل تعدت ذلك إلى تهديد التماسك الإجتماعي أو ما تم التعارف عليه بـــ “الحفاظ على الوحدة الوطنية” التي اتّخذت من أجلها مسألة حصرية السلاح مسارات أثبتت عدم جدواها وإلى تكريس حالة من الإنفصام الوطني حيث يحتاج لبنان إلى المزيد من التضامن . لقد أدت التجارب السابقة التي رافقت حرب الإسناد إلى جانب التماهي المتمادي مع سلوكيات عناصر حزب الله إلى امتناع مناطق عديدة عن استقبال النازحين، كما أدى إنتقال الخطاب التعبوي إلى مراكز النزوح لا سيما في العاصمة بيروت وفي مدن أخرى إلى إعطاء الإنقسامات السياسية والطائفية وتعبيراتها الخارجة عن المألوف حيّزاً يؤسس لتوظيفها عند الحاجة. هذا وقد أضاف التقاعس في تأمين الحماية لعدد كبير من القرى ومنع مسلحي الحزب من الدخول اليها إلى إتاحة المجال للعدو الإسرائيلي في إنذار سكانها لطرد النازحين تحت طائلة التعرض للقصف مما فاقم حالة الإنقسام الإجتماعي.

تبدو مبادرة عون لإنهاء الحرب الدائرة محكومة بالفشل. تعتبر كل من واشنطن وتل ابيب أن نزع سلاح حزب الله وفق خطة زمنية مدروسة وإجراءات حقيقية تلتزم الدولة بها تحت رقابة دولية هي المدخل لأي تفاوض. يبدو الخيار الإسرائيلي واضحاً في الضغط على لبنان وهو ما تعبّر عنه تل ابيب يومياً بالإستمرار في التدمير وتعزيز احتلالها لمزيد من النقاط في الجنوب والتهديد باحتلال قطاع جنوب الليطاني مما يرفع الخسائر البشرية ويقوّض الإستقرار بفعل تفاقم أزمة النزوح دون ظهور أي أفق للحل. إزاء كل ذلك يتمسك كل من رئيس الجمهورية والرئيس نبيه بري بوقف إطلاق النار وعودة النازحين كشرطين أساسيين لبدء التفاوض، لا سيما أن مبادرة عون تنص على مصادرة سلاح حزب الله ومخازنه ومستودعاته، وفق المعلومات والمعطيات الممكن توافرها لها، مما يعيد إلى الأذهان تكرار التجربة السابقة ومحاولة الإلتفاق على حصرية السلاح من جديد.

فهل لا زالت مغامرة التمسك بمعادلة قوى الأمر الواقع القائمة تتقدم على ما عداها بالرغم من المخاطر المحدقة بلبنان؟ وهل تتحوّل أزمة النزوح من ورقة ضغط إسرائيلية إلى تهديد حقيقي للإستقرار يتم توظيفها في ضوء الفشل المرتقب لمبادرة التفاوض المطروحة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce